كشف التقرير السنوي لبنك المغرب حول الوضعية الاقتصادية والنقدية والمالية لسنة 2024، الذي قدّمه والي البنك عبد اللطيف الجواهري أمس إلى الملك محمد السادس في تطوان، عن استمرار تدهور سوق الشغل في الوسط القروي، مع تراجع صادم في مناصب الشغل إلى مستويات أقل من تلك المسجلة عام 2019. وأرجعت الدراسة هذا التراجع إلى تداعيات الجفاف المتكرر على القطاع الفلاحي، الذي خسر 137 ألف منصب عمل، ما زاد من تفاقم أزمة التشغيل في المناطق الريفية.
رغم التحسن النسبي في الوسط الحضري، حيث سجلت قطاعات الخدمات والصناعة نمواً بإجمالي 206 ألف منصب (160 ألفاً في الخدمات و46 ألفاً في الصناعة)، فإن جودة هذه المناصب ظلّت موضع شك. فقد هيمن الشغل غير المهيكل على النمو، مع ارتفاع ملحوظ في الوظائف الموسمية أو الصدفية، ما يعكس هشاشة النموذج التشغيلي الحضري. وفي المقابل، لم يستفد قطاع البناء والأشغال العمومية من ارتفاع قيمته المضافة سوى بخلق 13 ألف منصب فقط.
أظهر التقرير أن الاقتصاد الوطني أحدث 82 ألف منصب جديد فقط في 2024، ليصل إجمالي التشغيل إلى 10.7 مليون، وهو رقم لا يزال دون مستويات ما قبل الجائحة (2019). وفي الوقت الذي دخل فيه 140 ألف شخص جديد إلى سوق الشغل، ارتفع عدد السكان في سن العمل بـ386 ألفاً، ما أدى إلى تراجع طفيف في معدل النشاط (43.5%) وارتفاع البطالة إلى 13.3%، وهي أعلى نسبة منذ 20 عاماً.
في رد فعل سريع، أعلنت الحكومة تعزيز جهودها لخفض البطالة عبر خارطة طريق بتمويل 15 مليار درهم ضمن ميزانية 2025، تهدف إلى خلق فرص عمل “لائقة”. لكن التقرير يشير إلى أن تحسن الإنتاجية (1.6%) لا يتناسب مع ارتفاع تكاليف الأجور (3% في القطاع الخاص و6.7% في الوظيفة العمومية)، ما يطرح إشكالية التوازن بين تحفيز النمو وضبط المالية العامة.
سلط التقرير الضوء على مخاطر استمرار تأثر القطاع الفلاحي بالتغيرات المناخية، بينما تظل المناصب الحضرية الجديدة غير قادرة على استيعاب العاطلين أو ضمان استقرار دخل الأسر. وتتطلب المعضلة، بحسب خبراء، سياساتٍ تشغيليةً أكثر جرأة، مع إعادة هيكلة القطاعات الأكثر إنتاجية لامتصاص الصدمات الديموغرافية والمناخية.
هكذا، يبدو أن المغرب يواجه اختباراً صعباً في مصالحة النمو الاقتصادي مع العدالة الاجتماعية، في ظل مؤشرات تُنذر بتحوّل أزمة الشغل إلى “قنبلة موقوتة” إن لم تُعالج بخطط استباقية.

التعليقات مغلقة.