أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

تونس.. بين صراع السلطة والمعارضة وانتظارات المواطن

سلوى الجيلاني بوعلي

في تونس لم تعد الأسئلة السياسية محصورة في طبيعة العلاقة بين السلطة ومعارضيها ولا في الجدل المتواصل حول خيارات الرئيس قيس سعيّد ومسار 25 جويلية. ثمة سؤال آخر، أكثر التصاقاً بحياة الناس يستحق أن يتقدم على بقية الأسئلة : ماذا تغيّر في حياة المواطن التونسي؟

قدمت ميزانية رئاسة الجمهورية لسنة 2027 رقماً لافتاً بلغ 248.576 مليون دينار، بزيادة قدرها نحو 8.2 بالمائة مقارنة بسنة 2026. وتستحوذ نفقات التأجير على النصيب الأكبر من الاعتمادات وفق المعطيات التي عرضها ممثل الرئاسة أمام اللجان البرلمانية.

ليس الرقم في حد ذاته إدانة كما أن زيادة الميزانية لا تعني تلقائياً تبذيراً أو سوء تصرف. لكن المال العام ليس شأناً محاسبياً مغلقاً إنه مساحة مشروعة للمساءلة. ومن حق التونسي أن يعرف ما الذي تتيحه هذه الاعتمادات للمؤسسة، وما النتائج المنتظرة منها وكيف تتناسب أولويات الإنفاق مع حاجات البلاد.

وفي السياق نفسه أثار مشروع ميزانية وزارة العدل لسنة 2027 جدلاً بشأن مبلغ 566.773 مليون دينار المرصود لبرنامج السجون والإصلاح فقد نقلت الإذاعة الوطنية عقب جلسة برلمانية يوم 2 نوفمبر معلومات عن برمجة بناء مؤسسات سجنية جديدة وتوسعة أخرى بهذا المبلغ. غير أن وزارة العدل عادت في اليوم التالي لتوضح أن المبلغ يمثل إجمالي نفقات البرنامج بما فيها الأجور والتغذية والرعاية والتسيير والصيانة والتجهيز وأن تطوير البنية التحتية لا يمثل سوى جزء منه.

وبين ما نقلته التغطية الأولى وما أوضحته الوزارة تبرز ضرورة العودة إلى الجداول التفصيلية للميزانية لا الاكتفاء بالعناوين المتداولة. فالسؤال ليس كم يبلغ المبلغ الإجمالي فحسب بل كيف يتوزع وما حجم الاستثمار الفعلي في البنية السجنية وما موقع إصلاح المنظومة القضائية والعقوبات البديلة من هذه الأولويات؟

إن مساءلة السلطة لا تعني إصدار أحكام مسبقة عليها وإنما مطالبتها بتقديم ما يكفي من المعطيات حتى يستطيع المواطن فهم خياراتها ومحاسبتها.

لكن المشهد التونسي لا يكتمل بالنظر إلى السلطة وحدها.
فالمعارضة بدورها أمام أسئلة لا تقل أهمية لقد شهدت البلاد في 17 أكتوبر تحركاً احتجاجياً شاركت فيه قوى سياسية ونقابية ومدنية مختلفة في واحدة من أبرز التظاهرات المناهضة للرئيس خلال السنوات الأخيرة.

هذا الحضور يعكس استمرار الاعتراض لكنه لا يجيب وحده عن سؤال البديل. فهل استطاعت المعارضة تجاوز خلافاتها وتقديم مشروع اقتصادي واجتماعي جامع؟ وهل تمكنت من الانتقال من مساحة الاحتجاج إلى مساحة الاقتراح؟ وهل باتت قادرة على مخاطبة المواطن بلغة تتصل بمشاغله اليومية لا فقط بمواقع السلطة وترتيبات الحكم؟

إن ضعف البديل السياسي حين يظهر لا يمنح السلطة إعفاءً من المساءلة كما أن نقد السلطة لا يعفي المعارضة من مسؤولية تقديم البدائل.

وفي الجهة الأخرى من هذا المشهد هناك مواطن تونسي يواجه يومياً تحديات البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة الحصول على بعض الخدمات الأساسية. وتشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء إلى أن نسبة البطالة بلغت 14.9 بالمائة في الثلاثي الثاني من سنة 2026 وبلغت 26.6 بالمائة لدى حاملي الشهادات العليا.

هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات اقتصادية إنها تعكس واقع فئات واسعة تنتظر فرصة عمل، وأسراً تبحث عن الاستقرار وشباباً يريدون أن يروا مستقبلاً يمكن التخطيط له داخل بلادهم.

وهنا تتراجع أهمية السجال السياسي إذا لم يتحول إلى حلول ملموسة فالمواطن لا ينتظر من السلطة والمعارضة أن تتفقا على قراءة واحدة للماضي بقدر ما ينتظر منهما أن تتنافسا في تقديم إجابات عن الحاضر والمستقبل.

ليس مطلوباً من الصحافة أن تنحاز إلى السلطة حتى تكون منصفة ولا أن تتبنى خطاب المعارضة حتى تكون جريئة. المطلوب أن تضع الجميع أمام مسؤولياتهم وأن تميز بين الوقائع والتأويلات وأن تمنح المواطن موقعه الطبيعي في قلب النقاش العام.

فتونس ليست ميزانية رئاسة ولا ميزانية وزارة ولا خلافاً بين سلطة ومعارضة.
تونس هي أيضاً ذلك المواطن الذي يستيقظ كل صباح بحثاً عن عمل والذي ينتظر دواءً أو خدمةً أو فرصةً تمنحه بعض الاطمئنان إلى الغد.

قد تنشغل السلطة بتثبيت خياراتها وقد تواصل المعارضة البحث عن موقع يجمع مكوناتها لكن المواطن لا يستطيع تأجيل حياته إلى حين انتهاء هذا السجال.

وفي نهاية المطاف لا تُقاس قيمة الدولة بما تعلنه من أرقام ووعود فقط ولا تُقاس قيمة المعارضة بما تصدره من بيانات وإنما بما يتحقق للإنسان من حقوق وفرص وكرامة.
فمن ينصت إلى المواطن التونسي حين تنشغل السياسة بنفسها؟

التعليقات مغلقة.