أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

حين يُوجِع الصمت… معاشات متقاعدي القوات المسلحة بين واجب الدولة وكرامة رجال الوطن

بقلم: الأستاذ محمد عيدني

أعاد تدخل أمني أنهى وقفة احتجاجية لمتقاعدين عسكريين، خرجوا للتعبير عن رفضهم لتوقيف معاشاتهم، إلى الواجهة سؤالاً عميقاً حول حدود التعاطي مع فئة قدّمت للوطن أكثر مما طلبته منه، وخدمت في صمت وانضباط داخل صفوف القوات المسلحة الملكية، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.

 

إن الحديث عن المتقاعدين العسكريين ليس حديثاً عن فئة اجتماعية عادية، بل عن رجال نذروا أعمارهم للدفاع عن وحدة الوطن وأمنه، وتحملوا قساوة المهام وبعد الأهل وضغط المسؤولية، دون ضجيج أو مطالب، مؤمنين بأن خدمة الوطن شرف لا يُقابَل بالمزايدات.

 

هؤلاء لم يتعودوا رفع الشعارات ولا اعتلاء الأرصفة، ولم يكن الاحتجاج جزءاً من قاموسهم، لكن حين يُمسّ مورد عيشهم الوحيد، يصبح الصمت قاسياً، والكلمة ضرورة.

 

المعاشات التي جرى توقيفها أو المساس بها ليست امتيازات ولا أموالاً طائلة، بل مبالغ هزيلة بالكاد تكفي لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة اليومية، من دواء وكراء وفواتير.

 

فكيف يُعقل أن يُجرَّد متقاعد عسكري من معاش بسيط، وهو الذي لم يراكم ثروة ولم يستفد من ريع، بينما يُغضّ الطرف عن فئات أخرى تملك المال والنفوذ؟ وأي رسالة تُوجَّه لرجل أفنى عمره في خدمة الدولة حين يُترك في مواجهة العوز بعد التقاعد؟

 

إن المقاربة الأمنية، مهما كانت مبرراتها التنظيمية، لا يمكن أن تكون جواباً عن إشكال اجتماعي وإنساني بهذا العمق. فالمتقاعدون العسكريون لم يخرجوا لزعزعة الاستقرار أو المساس بالنظام العام، بل عبّروا عن ألم صامت، وعن إحساس بالحيف، وهم الذين تشبعوا بثقافة الطاعة واحترام المؤسسات. وكان الأجدر أن يُفتح باب الحوار والإنصات، لا أن تُواجَه مطالبهم بإجراءات تزيد من الإحساس بالإقصاء.

 

الدولة، وهي التي تؤكد في خطابها الرسمي على قيم الاعتراف والتقدير، مطالَبة اليوم بترجمة هذه القيم إلى سياسات ملموسة، تحمي كرامة المتقاعد العسكري، وتصون حقوقه المكتسبة.

 

فالرعاية الحقيقية لا تكون في زمن الخدمة فقط، بل تستمر بعدها، حين يضع الجندي سلاحه ويواجه الحياة بإمكانيات محدودة وصحة منهكة.

 

إن إنصاف المتقاعدين العسكريين ليس تنازلاً ولا عبئاً على خزينة الدولة، بل هو استثمار في الثقة والوفاء، ورسالة واضحة بأن الوطن لا ينسى أبناءه.

 

هؤلاء رجال الوطن، لم يعرفوا الشغب ولا الفوضى، ولم يخرجوا إلا مكرهين، دفاعاً عن حق بسيط في العيش الكريم.

 

ويبقى الأمل قائماً في أن تنتصر الحكمة، وأن يُغَلَّب منطق الحوار على أي مقاربة أخرى، حفاظاً على صورة دولة تحترم من خدموها، وتقدّر تضحياتهم، وتُدرك أن كرامة المتقاعد العسكري هي جزء لا يتجزأ من كرامة الوطن نفسه.

التعليقات مغلقة.