في خطوة تؤكد عمق الهوة بين موسكو والمؤسسات الأوروبية، وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الاثنين، قانونًا يقضي بانسحاب بلاده رسميًا من المعاهدة الأوروبية للحماية من التعذيب والمعاملة اللاإنسانية أو المهينة، وهي إحدى أهم الأدوات القانونية التي أطلقها مجلس أوروبا منذ أواخر الثمانينيات لتعزيز احترام حقوق الإنسان داخل القارة.
وجاء هذا القرار بعد أن صادق البرلمان الروسي في وقت سابق على القانون، متهمًا مجلس أوروبا، ومقره ستراسبورغ، بـ”ممارسة التمييز” ضد روسيا. ويُذكر أن موسكو كانت قد استُبعدت من مجلس أوروبا في مارس 2022 على خلفية غزوها لأوكرانيا، وهو ما جعل مشاركتها في العديد من آليات المنظمة الحقوقية والقانونية محل تعليق منذ ذلك التاريخ.
خلفية عن المعاهدة:
المعاهدة الأوروبية لمناهضة التعذيب وُقّعت عام 1987 ودخلت حيّز التنفيذ سنة 1989. وهي تُلزم الدول الموقعة بالسماح للجنة أوروبية متخصصة بزيارة السجون ومراكز الاحتجاز ومراقبة مدى التزامها بمعايير حقوق الإنسان. وكانت روسيا قد انضمت إلى هذه المعاهدة سنة 1998 بعد قبول عضويتها في مجلس أوروبا، ما سمح للجنة بزيارة العديد من أماكن الاحتجاز الروسية على مدى أكثر من عقدين، وبتقديم تقارير أثارت جدلًا في أكثر من مناسبة بشأن ظروف السجون الروسية.
دلالات الانسحاب:
يرى مراقبون أن الانسحاب الروسي من هذه المعاهدة يندرج ضمن سياسة موسكو لتقليص انخراطها في المؤسسات الأوروبية، بعد القطيعة السياسية والقانونية التي فرضها الصراع الأوكراني. فبعد الانسحاب من مجلس أوروبا، توقف تطبيق الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان على روسيا، وهو ما أثار قلقًا واسعًا بشأن تراجع أدوات الحماية المتاحة للمواطنين الروس أمام المحاكم الأوروبية.
ومع انسحاب موسكو من معاهدة مناهضة التعذيب، تفقد المنظمات الحقوقية الأوروبية آلية إضافية كانت تتيح مراقبة أوضاع السجون الروسية من الداخل، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الدولية بشأن ظروف اعتقال المعارضين السياسيين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان داخل روسيا.
بين الموقف الروسي والرد الأوروبي:
الكرملين برر خطوته باتهام مجلس أوروبا بازدواجية المعايير واستغلال آليات حقوق الإنسان كأداة “للضغط السياسي”، معتبرًا أن استقلالية القضاء الروسي كافية لضمان حماية الحقوق. لكن في المقابل، اعتبر مسؤولون أوروبيون أن القرار يفاقم عزلة روسيا، ويشكل نكسة إضافية للمنظومة الحقوقية الأوروبية.
قطيعة تتعمق:
يأتي هذا التطور ليكرس مسارًا من الانفصال التدريجي بين روسيا وأوروبا، بدأ بتعليق حق موسكو في التصويت داخل مجلس أوروبا بعد ضمها لشبه جزيرة القرم عام 2014، وتفاقم مع الغزو الروسي لأوكرانيا سنة 2022، وصولًا إلى الانسحاب الكامل من أبرز الاتفاقيات الحقوقية الأوروبية.
وبذلك، يفتح الانسحاب الروسي من معاهدة مناهضة التعذيب الباب أمام مرحلة جديدة من المواجهة الدبلوماسية والحقوقية مع أوروبا، حيث تخسر موسكو آخر روابطها القانونية مع المنظومة الحقوقية القارية، في وقت يزداد فيه اعتمادها على خطاب السيادة الوطنية وتبرير القرارات بضرورة “مواجهة الضغوط الغربية”.
التعليقات مغلقة.