لم تعد مدينتا سبتة ومليلية المحتلتان بالنسبة إلى الحكومة الإسبانية مجرد منطقتين تواجهان تحديات اقتصادية واجتماعية مرتبطة بموقعهما الجغرافي، بل تحولتا خلال السنوات الأخيرة إلى ملف يفرض على مدريد كلفة متزايدة على المستويات الاقتصادية والأمنية والسياسية، في ظل أزمات الهجرة المتكررة وتصاعد التوترات داخل المدينتين، خاصة في سبتة.
وشكل إنهاء المغرب لما كان يعرف بـ«التهريب المعيشي» تحولا بارزا في الوضع الاقتصادي للمدينتين، بعدما كان هذا النشاط يمثل أحد أهم روافد الحركة التجارية والاقتصادية بهما. وبحسب تقديرات إسبانية سابقة، كانت هذه التجارة تمثل نحو ربع الناتج المحلي لمدينة سبتة، فيما كانت سلع بمئات الملايين من الأوروهات تنتقل سنويا نحو المغرب.
وأدى توقف هذا النشاط إلى إضعاف النموذج الاقتصادي الذي اعتمدت عليه المدينتان لسنوات طويلة، ودفع السلطات المحلية إلى البحث عن بدائل اقتصادية جديدة، دون أن تنجح، إلى حدود الآن، في تعويض الخسائر الناتجة عن توقف هذا النشاط، ما زاد من حجم الضغوط على مدريد من أجل دعم اقتصاد المدينتين والحفاظ على استمراريته.
أزمة الهجرة تضاعف الضغوط على مدريد
وإلى جانب الأزمة الاقتصادية، برز خلال الفترة الأخيرة تحد أكثر حساسية بالنسبة إلى الحكومة الإسبانية، يتعلق بأزمات الهجرة والحدود، والتي ظهرت بشكل واضح خلال موجة الدخول الجماعي إلى سبتة في نهاية يوليوز الماضي.
وبحسب المعطيات الواردة، دخل أكثر من 72 ألف شخص إلى المدينة خلال فترة وجيزة، قبل أن يعود معظمهم إلى المغرب، فيما ظل آلاف المهاجرين داخل سبتة، الأمر الذي وضع البنية المحدودة للمدينة تحت ضغط كبير وحول ملف الهجرة من قضية حدودية إلى أزمة ذات أبعاد أمنية وإنسانية واجتماعية.
وتقدر الحكومة المركزية الإسبانية عدد المهاجرين الذين ما زالوا في المدينة بنحو 5 آلاف شخص، في حين تشير السلطات المحلية إلى أرقام أعلى. وأعلنت مدريد، في مواجهة هذه الضغوط، تخصيص موارد إضافية، من بينها توفير ألفي مكان جديد للاستقبال الإنساني و500 مكان إضافي في مركز الإقامة المؤقت للمهاجرين.
مواجهات وتوتر أمني داخل المدينة
ولم تتوقف تداعيات الأزمة عند حدود الإيواء والخدمات، إذ شهدت سبتة، الخميس، توترات ومواجهات بين سكان ومهاجرين، ما استدعى تدخل الشرطة لتفريق محتجين حاولوا الوصول إلى مناطق يقيم فيها المهاجرون.
وشهدت الأحداث إحراق ممتلكات وخيام مؤقتة، فضلا عن محاولة منع مركبات تابعة للصليب الأحمر من إيصال الغذاء والمياه إلى المهاجرين، في مؤشر على تصاعد التوتر الاجتماعي داخل المدينة.
وفي حادث أكثر خطورة، تعرضت مركبة عسكرية تقل جنودا إسبان للرشق بالحجارة بمنطقة بنزو، ما أسفر عن إصابة عدد من العسكريين، فيما أعلنت الشرطة توقيف 12 مهاجرا مغربيا على خلفية الحادث.
وأمام تزايد الضغوط والغضب المحلي، تحركت الحكومة المركزية الإسبانية بشكل أكبر، بعدما اتهمت السلطات المحلية في سبتة مدريد بالتأخر في الاستجابة لحجم الأزمة.
وفي هذا السياق، أعلن وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا، الجمعة، طلب تمويل أوروبي بقيمة 35.6 مليون أورو لتمديد الحواجز البحرية في منطقتي تاراخال وبنزو، إلى جانب اتخاذ إجراءات إضافية تهدف إلى منع تكرار عمليات الدخول الجماعي.
ملف محلي يتحول إلى قضية وطنية
وتكشف التطورات الأخيرة أن أزمة سبتة تتجاوز مسألة عدد المهاجرين الموجودين داخل المدينة، إذ يتعين على السلطات الإسبانية التعامل مع ملفات الإعادة ولم شمل الأسر وطلبات اللجوء ووضعية القاصرين، مع استمرار الاهتمام بالوضع الأمني إلى نهاية السنة.
واضطرت مدريد إلى إنشاء آلية موحدة للقيادة والتنسيق من أجل إدارة الأزمة، إلى جانب تعزيز الحضور الأمني في المدينة، حيث وصل عدد عناصر الشرطة والحرس المدني المنتشرين فيها إلى نحو 1700 عنصر، فضلا عن تشديد مراقبة الحدود البحرية والمحيط الحدودي.
كما تحولت الأزمة إلى مصدر ضغط سياسي على حكومة بيدرو سانشيز، بعدما استغلت المعارضة الوضع لاتهام الحكومة بعدم امتلاك خطة كافية لمواجهة الأزمة، فيما اضطرت السلطة التنفيذية إلى إرسال وزراء إلى سبتة وإلى البرلمان لتقديم توضيحات حول تدبير الوضع.
ويعني ذلك أن أي موجة جديدة من الهجرة أو محاولة اقتحام جماعي أو تصاعد للتوترات الاجتماعية داخل المدينة يمكن أن تتحول بسرعة إلى قضية وطنية تضغط على الحكومة المركزية، بالنظر إلى محدودية مساحة المدينة وقدراتها على استيعاب أعداد كبيرة من الوافدين.
من الأزمة الأمنية إلى سؤال السيادة
وأعادت أزمة الهجرة الأخيرة كذلك النقاش حول مستقبل سبتة ومليلية وقضية السيادة عليهما إلى الواجهة، في ظل استمرار المغرب في التأكيد على مطالبه بشأن المدينتين.
وأكد وزير العدل عبد اللطيف وهبي، في تصريحات سابقة، أن سبتة ومليلية تمثلان بالنسبة إلى المغرب «حقا تاريخيا وجغرافيا»، داعيا إلى إحداث آلية للحوار مع إسبانيا بشأن مستقبلهما وعودتهما إلى حضن الوطن.
في المقابل، ترفض مدريد هذه المطالب، وتؤكد أن المدينتين تشكلان جزءا من السيادة الإسبانية ومن أراضي الاتحاد الأوروبي، مشيرة إلى أن موقفها أبلغ إلى المغرب عبر القنوات الدبلوماسية.
وتبرز هذه المواقف المتباينة أن معالجة أزمة المهاجرين الحالية لن تكون كافية لإنهاء مختلف الإشكالات المرتبطة بسبتة ومليلية، إذ ستظل مدريد أمام تحديات أمن الحدود، واحتمال تكرار محاولات الدخول الجماعي، والضغوط الاجتماعية والاقتصادية داخل المدينتين، فضلا عن استمرار المغرب في التمسك بفتح نقاش حول مستقبلهما.
وهكذا، تبدو أزمة سبتة الحالية مجرد حلقة جديدة في ملف أكثر تعقيدا بالنسبة إلى إسبانيا، يجمع بين الاقتصاد والهجرة والأمن والسياسة وقضية السيادة، ويطرح على مدريد تحدي بناء نموذج اقتصادي واجتماعي وأمني قادر على مواجهة التحولات المتواصلة في مدينتين ترتبطان جغرافيا بمحيط مغربي، بينما تظل قضية مستقبلهما حاضرة في أجندة العلاقات بين الرباط ومدريد.

التعليقات مغلقة.