حصل القرض الفلاحي للمغرب في شتنبر من سنة 2023، على قرض ضخم بقيمة 50 مليون يورو من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (BERD)، قُدّم حينها على أنه “دعم استثنائي” لإعادة بناء ما دمره زلزال الحوز. ومع ذلك، لم يتغير شيء تقريباً في المشهد بعد مرور سنة كاملة على الإعلان: الخيام ما تزال منصوبة، والاحتجاجات تتصاعد، والبيوت المهدمة تنتظر من يرممها. وهنا، يطرح السؤال: أين ذهبت تلك الأموال التي قُدمت باسم “التنمية والتعافي”؟ ومن استفاد منها فعلاً؟
تحدثت البلاغات الرسمية، حين وُقّع الاتفاق بين القرض الفلاحي والبنك الأوروبي، عن مشاريع لإعادة الإعمار، وتمويل الاقتصاد الأخضر، ودعم المقاولات الصغيرة. لكن، على أرض الواقع، لم يظهر أثر لأي من هذه المشاريع في المناطق المنكوبة. بل العكس، خرج سكان تلك المناطق في احتجاجات متكررة يطالبون بالسكن والتعويض، ويعبرون عن استيائهم من غياب أي مبادرات ملموسة رغم الوعود المتكررة والملايين الممنوحة.
كان من المفترض أن يكون القرض الفلاحي هو المؤسسة المنوط بها تدبير جزء من أموال إعادة الإعمار، غير أن المؤشرات الميدانية تكشف عن غموض كبير في طريقة صرف التمويل الأوروبي، الذي بلغت قيمته حوالي 550 مليون درهم مغربي. فالبنك لم يُعلن عن أي تقرير رسمي يوضح كيفية تدبير هذه الموارد، ولا عن لوائح المستفيدين، رغم أن القانون المغربي يضمن الحق في الوصول إلى المعلومة ويُلزم المؤسسات العمومية بالشفافية.
النتيجة: تمويل ضخم بلا أثر، ووعود بلا إنجاز، وصمت رسمي يُثير الريبة.
يضاعف الشكوك أن القرض الفلاحي ليس حديث العهد بالاختلالات، حيث وثق تقرير المجلس الأعلى للحسابات لسنة 2017 خروقات خطيرة داخله. واليوم، بعد مرور ست سنوات على ذلك التقرير، يتجدد السؤال: هل نحن أمام نموذج جديد من “التمويلات الغامضة” التي تنتهي إلى لا شيء؟
إن القرض الذي منحته BERD ليس هبة، بل تمويل دولي يجب أن يُصرف بشفافية كاملة، لأن الشعب المغربي هو من سيتحمّل عبء أي خلل. ولذلك، لم يعد الكشف عن مصير هذه الأموال ترفاً إعلامياً، بل ضرورة وطنية. فبينما يتحدث الجميع عن “نموذج جديد لإعادة البناء”، ما زال سكان القرى ينامون تحت الخيام، فيما يظل قرض الـ50 مليون يورو لغزاً مفتوحاً ينتظر من يجرؤ على كشفه.

التعليقات مغلقة.