في زمن أصبحت فيه المعلومة أسرع من أي وقت مضى، لم يعد مقبولاً اختزال العمل الصحفي في الظهور الموسمي، أو في نشر بعض التدوينات وانتظار المناسبات والانتخابات والولائم. فالصحافة مهنة تقوم على البحث والتحقق والمتابعة والمساءلة، وعلى نقل انشغالات المواطنين والدفاع عن حقهم في المعلومة.
ومن هذا المنطلق، تبرز ضرورة التمييز بين الصحفي الذي يمارس المهنة بمسؤولية واستمرارية، وبين ما يمكن وصفه بـ«إعلام المناسبات»، الذي لا يظهر إلا عند الحاجة أو خلال مواسم معينة. فكما يقال، «ما نبقاوش نخلطو العرارم ونقولو هادو صحفيين»، لأن صفة الصحفي لا تُكتسب بمجرد امتلاك هاتف أو نشر تدوينة، وإنما بالممارسة المهنية والالتزام بأخلاقيات العمل الصحفي.
فالصحافة ليست مجرد انتظار خبر جاهز، ولا الجلوس لساعات أمام الهاتف في انتظار أن يأتي الخبر من هذا الشخص أو ذاك. إنها عمل يومي يتطلب الحضور الميداني، والبحث في القضايا التي تهم المجتمع، وطرح الأسئلة الصعبة، ومتابعة الملفات إلى نهايتها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمواطنين الذين لا يملكون منبراً للدفاع عن حقوقهم.
وإذا كان الإعلام مطالباً بالحضور في قضايا المجتمع، فإن المسؤولين والفاعلين المحليين مطالبون بدور أكبر، خصوصاً في ما يتعلق بمستقبل الشباب.
فالشاب اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات والوعود، بقدر ما يحتاج إلى تكوين جيد، وفرص حقيقية للشغل، ودعم للمبادرات، وفضاءات للإبداع، ومواكبة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة.
ومن هنا يطرح السؤال نفسه على كل فاعل سياسي أو جمعوي أو اقتصادي معروف بنشاطه: ما هي مشاريعكم المستقبلية لفائدة شباب المنطقة؟
هل توجد رؤية واضحة وقابلة للتنفيذ؟ هل هناك برامج حقيقية للتكوين والتشغيل؟ وهل توجد مبادرات قادرة على تحويل طاقات الشباب وأفكارهم إلى مشاريع منتجة؟
فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من الحديث عن الشباب إلى العمل من أجل الشباب، ومن الوعود العامة إلى النتائج الملموسة.
قد يكون السهر والعمل لساعات طويلة مؤشراً على الرغبة في خدمة المنطقة، وهو أمر يستحق التقدير عندما يتحول إلى نتائج ملموسة. لكن السؤال الأهم يبقى: ماذا تحقق بعد كل هذا السهر؟
فالشباب لا يقيس أداء المسؤولين بعدد الاجتماعات أو ساعات العمل، وإنما بما يلمسه على أرض الواقع: هل انطلق مشروع؟ هل تم خلق فرصة عمل؟ هل استفاد شاب من التكوين؟ هل جرى دعم مقاولة صغيرة؟ وهل وجدت مبادرة شبابية طريقها إلى النجاح؟
هنا فقط يصبح الحديث عن العمل والجهد ذا معنى، لأن قيمة المسؤولية تقاس بالأثر والنتائج، لا بمجرد كثرة الظهور أو الخطاب.
أما الشباب، فلا ينبغي أن يظل رهين انتظار موسم انتخابي جديد أو وعود جديدة. المستقبل يحتاج إلى المبادرة والتكوين والعمل الجماعي والانفتاح على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، فضلاً عن البحث عن فرص جديدة خارج الطرق التقليدية.
لكن في المقابل، لا يمكن تحميل الشباب وحدهم مسؤولية واقعهم. فالمؤسسات والمنتخبون والفاعلون الاقتصاديون والمجتمع المدني مطالبون بتوفير البيئة التي تسمح للشباب بتحويل أفكارهم إلى مشاريع حقيقية.
الشباب لا يحتاج إلى من يصفق له فقط، بل إلى من يفتح أمامه الطريق، ويوفر له أدوات النجاح، ويؤمن بأن الاستثمار في طاقاته هو استثمار في مستقبل المنطقة.
وفي النهاية، فإن بناء إعلام مهني وحقيقي، بالتوازي مع إطلاق مشاريع فعلية لفائدة الشباب، يشكلان وجهين لمعركة واحدة: معركة الانتقال من الكلام إلى الفعل، ومن الحضور الموسمي إلى العمل المستمر، ومن الوعود إلى النتائج.

التعليقات مغلقة.