من بيت أهلها إلى بيت زوجها… حين يغلب الطبعُ التطبُّع
بقلم: الأستاذ محمد عيدني – فاس
كانت المرأة، عبر التاريخ الاجتماعي، تنتقل من بيت أهلها إلى بيت زوجها وهي محمَّلة بقيم العشرة، ومسؤولية الأسرة، وواجب المشاركة الوجدانية قبل المادية. غير أن التحولات المتسارعة التي يعرفها عصرنا الحالي أعادت طرح أسئلة عميقة حول الأدوار، والانتظارات، ومعنى الشراكة الزوجية نفسها.
يقولون إن الطبع يغلب التطبع، لكن ما نعيشه اليوم يجعلنا نتساءل:
هل ما تغيّر هو الطبع؟ أم أن التطبع فرض نفسه بقوة الواقع الجديد؟
في هذا العصر، لم يعد غياب الرجل يُقاس بغيابه الجسدي فقط، بل بحضوره المعنوي أيضًا. وفي المقابل، أصبح الهاتف النقال الونيس الأصلي، والصديق الدائم، والمستشار الصامت. شاشة صغيرة احتلت مكان الحوار، وسرقت لحظات القرب، وأعادت ترتيب الأولويات داخل البيت الواحد.
المرأة التي كانت تنتظر اهتمام الزوج، وتبادله العناية والسؤال، وجدت نفسها – في كثير من الحالات – تلتفت إلى ذاتها فقط:
مظهرها، عالمها الخاص، طموحاتها الفردية. لا عيب في ذلك في حد ذاته، فالعناية بالنفس حق مشروع، لكن الإشكال يبدأ حين يتحول الزوج إلى مجرد “ورقة تعريف اجتماعية”، يقال عنها: راهـا مزوجة، دون أن يكون لهذا الزواج أثر حقيقي في المودة أو الشراكة.
الأخطر من ذلك، أن بعض الزيجات لم تعد مشروع حياة مشتركة، بل محطة مؤقتة، في انتظار أهداف أخرى، خصوصًا إذا كان الزوج يُنظر إليه فقط كمصدر أولي للتعرف على الحياة، أو كجسر عبور نحو استقلال فردي كامل، عاطفيًا أو اجتماعيًا.
هذا الواقع لا يُدين المرأة وحدها، ولا يُبرئ الرجل بالكامل. إنها نتيجة منظومة كاملة: غياب الحوار، ضغط المجتمع، سرعة الإيقاع، وهيمنة التكنولوجيا، وتراجع ثقافة المسؤولية المشتركة. زواج بلا تواصل، وأسرة بلا دفء، وشريكان يعيشان تحت سقف واحد لكن في عالمين مختلفين.
إن إعادة الاعتبار لمعنى الزواج لا تكون بالعودة إلى الماضي، ولا بتحميل طرف واحد كل اللوم، بل بإعادة طرح سؤال بسيط وصعب في آن واحد:
هل ما زلنا نؤمن بأن الزواج شراكة روح قبل أن يكون وضعًا اجتماعيًا؟
سؤال مفتوح، وإجابته تحدد مستقبل الأسرة، لا المرأة وحدها ولا الرجل وحده.

التعليقات مغلقة.