تُعتبر مهنة المحاماة من أسمى المهن القانونية وأكثرها ارتباطاً بتحقيق العدالة وصون الحقوق، إذ لا يقتصر دور المحامي على الترافع أمام المحاكم، بل يتجاوز ذلك إلى وظيفة الدفاع عن مصالح موكليه، وتقديم الاستشارة القانونية التي تحميهم من الوقوع في النزاعات. ومع ما تتميز به هذه المهنة من قداسة، تطرح بين الفينة والأخرى إشكالات جوهرية تستدعي التوضيح والحسم، من أبرزها: هل يجوز للمحامي أن ينوب في نفس الوقت عن المدعي والمدعى عليه، أي عن خصمين في قضية واحدة؟
تضارب المصالح: أساس الإشكال:
إن مبدأ استقلالية المحامي وحرصه على الدفاع عن موكله بكل أمانة ووفاء، يجعل من غير المقبول مهنياً وأخلاقياً أن ينوب عن خصمين متنازعين في نفس الدعوى. فالقاعدة العامة تنص على أن المحامي ملزم برعاية مصالح موكله وعدم الإضرار بها بأي شكل من الأشكال، وهو ما يقتضي تجنب كل وضعية قد تضعه في موقع تضارب المصالح.
ويكرس القانون المغربي هذا المبدأ من خلال عدة نصوص، أبرزها المادة 28 من القانون المنظم لمهنة المحاماة، التي تمنع المحامي من تمثيل مصالح متعارضة بشكل صريح. كما أن العمل القضائي بدوره أكد هذا التوجه، حيث شددت محكمة النقض في قرارات متواترة على أن المحامي لا يمكن أن يجمع بين تمثيل خصمين في نزاع واحد، لأن في ذلك مساساً بجوهر المهنة ومقتضياتها الأخلاقية.
اجتهادات قضائية حاسمة:
لقد اعتبرت محكمة النقض في قرارها الصادر بتاريخ 6 أكتوبر 2013 (عدد 482/2013) أن قيام محامٍ واحد بتمثيل طرفي الخصومة يُعد خرقاً صارخاً لمبادئ العدالة ويشكل إخلالاً جسيماً بواجبات المهنة. وذهبت في نفس الاتجاه قرارات أخرى اعتبرت أن مجرد وجود علاقة مهنية سابقة بين المحامي وأحد الخصوم في قضية لاحقة قد يُثير شبهة عدم الحياد ويؤثر في مصداقية الدفاع.
ومن ثم فإن القضاء المغربي، انسجاماً مع القواعد الأخلاقية للمحاماة، وضع حداً لهذا النوع من الممارسات التي تضر بثقة المتقاضين في المحامين وتُسيء إلى صورة المهنة في المجتمع.
البعد الأخلاقي للمسألة:
إلى جانب الجانب القانوني، يطرح الموضوع أيضاً بُعداً أخلاقياً أساسياً. فالمحامي ليس مجرد لسان يدافع عن حقوق موكله، بل هو صاحب رسالة نبيلة قائمة على مبادئ الشرف والوفاء والإخلاص للعدالة. ولا يمكن لهذه الرسالة أن تتحقق في ظل وضعية تنازع المصالح، حيث يصبح المحامي عاجزاً عن أداء مهمته بموضوعية وحياد.
فالعدالة تفترض وجود محامٍ يقف إلى جانب كل طرف من أطراف النزاع، يسعى إلى حماية مصالحه وتوضيح حججه، بينما يظل القاضي الحكم الفاصل بينهما. أما أن يجمع محامٍ واحد بين الطرفين، فهو أمر يفرغ المحاكمة من مضمونها العادل.
بين النص والواقع:
رغم وضوح النصوص القانونية وتوجيهات العمل القضائي، إلا أن بعض الممارسات العملية تكشف عن حالات نادرة يُحاول فيها محامون الجمع بين مصالح متعارضة، إما بحسن نية أو رغبة في تسوية النزاع ودياً. غير أن مثل هذه الحالات، حتى وإن بدت في ظاهرها سبيلاً لتبسيط الإجراءات، فإنها تنطوي على مخاطر جدية، أبرزها فقدان الثقة في الدفاع وضرب مبدأ المساواة بين الأطراف.
ولهذا، فإن المشرع المغربي كان صارماً في منع هذا السلوك، حرصاً على حماية المحامي نفسه من الانزلاق في تناقض يسيء إليه، وحماية للمتقاضين من كل شبهة قد تمس حقوقهم الأساسية.
يمكن القول إن المحامي لا يمكن له قانوناً ولا أخلاقاً أن ينوب عن المدعي والمدعى عليه في نفس الوقت، لأن ذلك يُمثل تضارباً صارخاً للمصالح، ويهدم ركائز المحاكمة العادلة. فمهنة المحاماة وُجدت لتكريس العدالة لا لإرباكها، ولحماية الحقوق لا لخلطها. ومن ثم، فإن وضوح النصوص القانونية، مدعوماً بمواقف القضاء والاجتهادات الفقهية، يجعل من هذا المبدأ قاعدة راسخة لا جدال فيها.
إن المحامي، وهو يمارس رسالته السامية، مُلزم دوماً بأن يكون في صف العدالة، وأن يختار موقعه بحزم: إما إلى جانب المدعي أو المدعى عليه، ولكن أبداً لا يمكن أن يكون في صفهما معاً.
التعليقات مغلقة.