أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

إصلاح التقاعد في المغرب بين عدالة الاستحقاق وضرورة التوحيد

بدر شاشا

يشكل ملف التقاعد في المغرب أحد أكثر الملفات الاجتماعية حساسية وتعقيداً، لأنه يرتبط مباشرة بكرامة الإنسان بعد سنوات طويلة من العمل والعطاء. وفي قلب هذا النقاش يبرز سؤال جوهري: هل يتقاضى الفقراء تقاعداً أضعف مقارنة بغيرهم؟ الواقع يكشف أن الفوارق بين المتقاعدين ليست مجرد أرقام، بل تعكس اختلالات بنيوية في منظومة الحماية الاجتماعية، سواء من حيث طبيعة الاشتراكات أو تعدد الصناديق أو تفاوت الأجور بين القطاعين العام والخاص.

من حيث المبدأ، يعتمد نظام التقاعد على قاعدة بسيطة: كلما ارتفعت الأجور ومدة الاشتراك، ارتفع مبلغ المعاش. غير أن هذه القاعدة، رغم عدالتها النظرية، تتحول عملياً إلى مصدر تفاوت اجتماعي واضح. فالعامل البسيط أو الأجير ذو الدخل المحدود، الذي غالباً ما يشتغل في ظروف غير مستقرة أو بأجر قريب من الحد الأدنى، يجد نفسه بعد عقود من العمل أمام معاش بالكاد يغطي الحاجيات الأساسية. في المقابل، يستفيد أصحاب الأجور المرتفعة من معاشات مريحة نسبياً. وهكذا يبدو أن الفقر لا ينتهي عند سن التقاعد، بل قد يتعمق.

يزداد هذا الوضع تعقيداً بسبب تعدد صناديق التقاعد في المغرب، وعلى رأسها الصندوق المغربي للتقاعد والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، إلى جانب أنظمة أخرى خاصة بفئات معينة. هذا التعدد خلق تفاوتاً في نسب الاشتراك وطرق احتساب المعاشات وشروط الاستفادة، مما أدى إلى غياب الانسجام بين الموظف العمومي والأجير في القطاع الخاص، رغم أن كليهما يساهم في بناء الاقتصاد الوطني.

إن الدعوة إلى دمج صناديق التقاعد في صندوق وطني موحد ليست مجرد مطلب إداري، بل هي رؤية إصلاحية تهدف إلى تحقيق العدالة والشفافية والاستدامة المالية. فالتوحيد يمكن أن يقلل من كلفة التسيير، ويضمن توزيعاً أكثر إنصافاً للمخاطر، ويعزز التضامن بين مختلف فئات المجتمع. كما أنه يفتح الباب أمام إصلاح شامل يضع المواطن في صلب المنظومة بدل أن يكون رهينة لتعدد الأنظمة واختلافها.

إلى جانب ذلك، يظل توحيد الأجور بين القطاعين العام والخاص قضية محورية في إصلاح منظومة التقاعد. فالفارق في الرواتب يؤدي تلقائياً إلى فارق في المعاشات. وإذا كان الهدف هو تقليص الفوارق الاجتماعية، فإن معالجة جذورها تبدأ من سوق الشغل نفسه، عبر ضمان حد أدنى كريم للأجور، وربط الأجر بالإنتاجية والكفاءة، مع حماية الفئات الهشة من التقلبات الاقتصادية.

إن المغرب اليوم أمام لحظة حاسمة في مسار إصلاحه الاجتماعي. فاستمرار الوضع الحالي يعني تعميق الفجوة بين المتقاعدين، وتهديد التوازنات المالية للصناديق، وزيادة الضغط على الأسر والدولة. أما الإصلاح الشجاع القائم على الدمج والتوحيد والعدالة المجالية والاجتماعية، فيمكن أن يحول التقاعد من مصدر قلق إلى رافعة للاستقرار والكرامة.

إن كرامة المتقاعد ليست امتيازاً، بل حق أصيل. وحين يشعر العامل البسيط بأن سنوات كده لن تنتهي إلى معاش هزيل، فإن الثقة في المؤسسات تتعزز، والانتماء للوطن يترسخ. لذلك فإن إصلاح التقاعد في المغرب ليس مجرد ورش تقني، بل هو مشروع مجتمعي يعكس اختياراتنا في العدالة والتضامن ومستقبل الأجيال

التعليقات مغلقة.