أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

الاكتئاب يزيد من مخاطر الخرف: عندما يتحول الصمت الداخلي إلى تهديد للذاكرة

الاكتئاب يزيد من مخاطر الخرف: عندما يتحول الصمت الداخلي إلى تهديد للذاكرة

بقلم: الأستاذ محمد عيدني – فاس

لم يعد الاكتئاب يُصنّف مجرد اضطراب نفسي مرتبط بالحالة المزاجية، بل بات اليوم ـ وفق ما تشير إليه أبحاث علمية حديثة في الميدانين الطبي والمعرفي ـ عاملًا حاسمًا في تحديد مصير الصحة الدماغية لدى الإنسان مع التقدم في العمر. إذ تكشف هذه الأبحاث عن علاقة متنامية بين الاكتئاب غير المعالج وارتفاع احتمالات الإصابة بالخرف واضطرابات الذاكرة، وصولًا أحيانًا إلى الأمراض التنكسية العصبية كالزهايمر.

من المرض النفسي إلى الخطر العصبي

يُعرف الخرف طبيا بأنه “تدهور تدريجي في القدرات الإدراكية والوظائف العقلية”، ولا يأتي دفعة واحدة، بل يتطور بصمت عبر سنوات. وإذا كان الخرف مرتبطًا في الأذهان بالشيخوخة فقط، فإن المسار الطبي الحديث يُظهر أن البذور قد تُزرع أبكر بكثير؛ تحديدًا عبر حالات اكتئابية تُهمل لاعتقاد أصحابها بأنها مرحلة عابرة.

وتفيد الدراسات بأن هرمون “الكورتيزول” الذي يرتفع خلال فترات الاكتئاب المزمن، يؤدي إلى التأثير سلبًا على منطقة الحُصين (Hippocampus) المسؤولة عن الذاكرة والتعلم. هذا التأثير ـ إذا استمر لفترات طويلة ـ قد يسهم في تقلص أنسجة الدماغ واضطراب الروابط العصبية، وهي مؤشرات تفتح الباب أمام احتمالات الخرف لاحقًا.

 بين الأطباء والواقع: فجوة إدراك

في المغرب كما في دول كثيرة، لا يزال التعامل مع الاكتئاب حبيس التصورات الاجتماعية. فكثيرون يرون أنه “ضعف شخصية” أو “لحظة إحباط” وليست حالة طبية تستدعي تدخلا وعلاجًا. وهنا تكمن الخطورة؛ لأن التأخر في الاعتراف بالمرض يؤدي إلى تأخر العلاج، ومعه تتضاعف المخاطر.

ليس كل مكتئب سيصاب بالخرف، ولكن تجاهل الاكتئاب يرفع مخاطر الدخول في دائرة الخطر.
— وجهة نظر يشاركها خبراء في الأعصاب والطب النفسي.

 ماذا تقول الأبحاث؟

تستنتج دراسات أجريت في المستشفيات الجامعية ومراكز بحث دولية أن:

  • نسبة الإصابة بالخرف ترتفع لدى من مرّوا بنوبات اكتئاب متكررة.

  • خطر الإصابة يرتفع خاصةً عند من لم يتلقوا علاجًا نفسيًا أو دوائيًا.

  • الجمع بين العلاج والأطر الدعم النفسي والاجتماعي يقلل المخاطر بشكل واضح.

ويشير متخصصون إلى أن الربط بين المرضين لا يُلغي عوامل أخرى:
مثل الوراثة، أمراض القلب والشرايين، نمط العيش، والعوامل المعرفية. لكنه يجعل من الاكتئاب عامل تنبيه مبكر لا يجوز إهماله.

 المغرب والسياق الاجتماعي

في السياق المغربي، تتطلب هذه المعطيات نقاشًا استراتيجيًا.
كيف نقنع المريض بزيارة الطبيب النفسي؟
كيف ندمج التوعية النفسية في الرعاية الصحية الأولية؟
كيف نحد من الوصمة الاجتماعية التي تمنع الأسر من طلب المساعدة؟

فالمسألة لا تهم الفرد وحده؛ بل تلامس الأمن الصحي المجتمعي وتحد من أعباء مستقبلية على المنظومة الصحية، التي ستجد نفسها مضطرة لمواجهة موجة متزايدة من حالات الخرف في العقود المقبلة إذا استمر التجاهل.

 نحو وقاية ذكية

الوقاية اليوم لا تعني فقط “علاج الاكتئاب”، بل أيضًا:

  • نشر ثقافة العناية بالصحة النفسية.

  • اعتبار العلاج النفسي حقًا وليس رفاهية.

  • إدماج فحوصات للصحة النفسية ضمن متابعات المرضى المزمنة.

  • تعزيز الوعي الأسري لتتبع كبار السن وتغيّراتهم المزاجية.

إن الخط الفاصل بين الاكتئاب والخرف ليس حدًا نهائيًا، بل مسار احتمالات يمكن التحكم فيه. والتدخل المبكر، اليوم، قد يجنب سنوات طويلة من الألم لاحقًا.

إن مواجهة الخرف لا تبدأ حين ينسى المصاب أسماء من يحب، بل تبدأ قبل ذلك بكثير؛ حين نقرر أن نأخذ الاكتئاب على محمل الجد. أن نتوقف عن وصفه بأنه “تدلل” أو “ضعف إيمان”، وأن نعيده إلى مكانته الأصلية: مرض قابل للعلاج، وإهماله قابل لأن يقود إلى مصائر أثقل من أن نحتملها.

التعليقات مغلقة.