لم تكن جريدة الخبر الجزائرية لتسمح بمرور جملةٍ مثل “خسرنا قضية الصحراء وإلى الأبد” على صفحاتها لولا أن الضوء الأخضر أُعطي من الدائرة التي لا تُنشر فيها الكلمات عبثاً. فهذه العبارة لم ترد في عمود رأي عابر، بل خُتم بها مقالٌ تبريريّ للهزيمة، نُشر عقب فشل آخر محاولات العسكر الجزائري في استصدار قرارٍ أمميٍّ معدّل حول النزاع المفتعل في الصحراء المغربية.
واللافت أن كاتب المقال نفسه كان قبل يومين فقط قد كتب في الصحيفة ذاتها مقالاً بعنوان “الحكم الذاتي زوبعة في فنجان”، قبل أن يعود بعد أيام ليُعلن، بصوتٍ مكسور، نهاية القضية التي رُوّج لها نصف قرن.
الأسبوع نفسه شهد انهياراً نفسياً وسياسياً واضحاً داخل النخبة الجزائرية. فوزير سابق للتجارة ومؤسس “حزب التجديد” صرّح صراحةً: الرباط حسمت القضية لصالحها، وما بقي بين أيدي قيادتنا الصحراوية ليس خياراً بين الحكم الذاتي والاستقلال، بل بين الحكم الذاتي أو القوائم الإرهابية.
أما بن قرينة، أحد أبرز أبواق النظام، فاعترف قائلاً: لم أعش في حياتي أزمة كالتي تمرّ بها بلادنا اليوم.
هكذا تحوّل المشهد الإعلامي والسياسي في الجزائر إلى ما يشبه المرثية الوطنية، فيما تعود الذاكرة إلى جملة بومدين القديمة: “سأضع حجرة في حذاء المغرب”. لكنّ الحجرة التي أرادها شوكةً أضحت اليوم جبلاً مغربياً شامخاً في التنمية والسيادة والشرعية الأممية.
المغرب لم ينتصر على الجزائر، بل انتصر لمسارٍ بدأه منذ خمسينات القرن الماضي، بين احتلالٍ فرنسي في الوسط وإسباني في الجنوب والشمال، حتى جاءت المسيرة الخضراء سنة 1975، لتعلن بداية استرجاع الأرض بالسلام والإيمان والوحدة.
اليوم، تُعلن الأمم المتحدة، عبر قرارٍ أمميّ تاريخي، أنّ الصحراء المغربية لم تعد قضية تصفية استعمار، وأنّ المملكة صاحبة السيادة الشرعية على أراضيها. إنها نتيجة مسارٍ طويل من الصمود والذكاء الدبلوماسي الذي قاده الملوك الثلاثة: محمد الخامس، الحسن الثاني، ومحمد السادس، في أزمنة مختلفة ولكن بعقيدة واحدة.
فمن “صوت التاريخ” إلى “صمت الجغرافيا”، نجح المغرب في تحريك الجبل خطوة بخطوة، كما يقول المثل الصيني: من أراد أن يُحرّك الجبل، فليبدأ بحمل الحجارة الصغيرة.
بدأنا من إفريقيا، وعدنا إلى الاتحاد الإفريقي، ثم إلى الخليج، فإلى أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية، حتى وصلنا إلى مجلس الأمن بملفٍّ مقنع وحلفاء وازنين. واليوم، لم يعد استعمال الفيتو ضد المغرب ممكناً، لأن القناعة الدولية اكتملت بأن الحكم الذاتي هو الحل الواقعي والنهائي.
إنه يوم الفخر الوطني، نحيي فيه شهداءنا ومهندسينا وأطرنا الذين حملوا عبء الوطن في الصحراء زمن الخوف والندرة، ونبارك لأبنائنا هذا النصر التاريخي الذي يربط بين أجيال المقاومة والتحرير والتنمية.
أما في الجهة الأخرى من الحدود، فليس لنا إلا أن نردّد قوله تعالى:
(قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير).

التعليقات مغلقة.