أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

الحلاج: بين التصوف والسياسة والغموض التاريخي

الحلاج: بين التصوف والسياسة والغموض التاريخي

الحسين بن منصور الحلاج (ت 309هـ/921م) يعد من أبرز الشخصيات الجدلية في التاريخ الإسلامي، إذ جمع بين الصوفية العميقة والنشاط السياسي الثوري، ما جعل سيرته محط جدل بين المدح والقدح عبر العصور. وقد وصفه عباس العقاد بثلاثية الخلود: الإعجاب المفرط من أتباعه، الحقد الشديد من خصومه، وغموض يحيط بشخصيته كأنه من خوارق الخلق.

الحلاج تنبثق شخصيته الصوفية من مصادر سنية واضحة، فقد تتلمذ على مشايخ كبار مثل سهل التستري وعمرو المكي وأبو القاسم الجنيد وأبو الحسن النوري، وجميعهم كانوا متصفين بالاستقامة والتزكية. وقد شهد له كبار أئمة عصره مثل أبي الوفاء ابن عقيل والنصراباذي وأبو العباس ابن سريج بالعلم والورع والزهد، مؤكدين أنه كان ملتزمًا بالكتاب والسنة.

إلا أن غموضه لم يقتصر على الصوفية، بل شمل نشاطه السياسي. فقد كان الحلاج من أتباع تنظيمات سرية علوية، سعى إلى استقطاب الأتباع وتوسيع نفوذ دعوته ضد الدولة العباسية. وكانت تحركاته في خراسان وما وراء النهر وحتى البحرين والمغرب مرتبطة بتنسيق سياسي مع حركات كالحركة القرامطية والفاطمية، وهو ما يفسر خطاباته الغامضة وطلاسمه، التي كانت في الواقع وسيلة تواصل وإشارات إجرائية بينه وبين أتباعه.

أدى تصدّر الحلاج وجرأته في الدعوة إلى اصطدامه بالسلطة، ما جعل بعض مشايخه ينكرون عليه وابتعدوا عنه، فيما استمرت نصرة آخرين له، رغم محاولات خصومه وصُناع السلطة تشويه صورته وتحميله زندقة لم يرتكبها. وقد كشف تحليل نصوصه ومراسلاته أن كثيرًا من ما نسب إليه من حلول أو اتحاد كان مرتبطًا بالخطاب الرمزي والسياسي، وليس العقيدة الباطنية.

ختامًا، يظل الحلاج شخصية محيرة، جمع بين التصوف العميق والغيرة السياسية، مما جعل سيرته مزيجًا من التقدير العلمي والغموض السياسي. والفهم الدقيق له يتطلب التمييز بين خطابه الصوفي الفلسفي ونشاطه السياسي الثوري، بعيدًا عن التفسيرات السطحية أو التكفيرية التي سيطرت على كثير من الروايات المتأخرة.

التعليقات مغلقة.