حذّر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي من تحديات تتعلق بالاستدامة المالية لأنظمة التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، مؤكداً أن ضمان توازن هذه المنظومة يظل رهانا محوريا يتطلب إصلاحات هيكلية وإجراءات استعجالية، إلى جانب تعزيز آليات الحكامة والتتبع المالي.
وفي رأي صادر حول مشروع القانون رقم 54.23 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 65.00 المتعلق بالتأمين الإجباري الأساسي عن المرض، أوضح المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن بعض الأنظمة، مثل “أمو-أجراء القطاع الخاص” و“أمو-تضامن”، تحقق توازنا ماليا نسبيا، بينما تحتاج أنظمة أخرى إلى متابعة دقيقة لضمان تغطية الاشتراكات لنفقات التعويضات الصحية.
وسجل المجلس أن نقل نظام يعاني من عجز بنيوي، مثل الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي، نحو هيئة تدبير موحدة تحت إشراف الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، قد يطرح مخاطر على استقرار المنظومة إذا لم يواكب بإصلاحات قبلية مقياسية وآليات قيادة فعالة.
كما شدد الرأي على أن توحيد هيئات التدبير، رغم أهميته، لا يكفي وحده لضمان إرساء نظام تغطية صحية شاملة وعادلة ومستدامة، داعيا إلى تسريع تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، وتقليص حالات عدم الانخراط و”الحقوق المغلقة” إلى الحد الأدنى، بما يضمن استفادة أوسع فئات المجتمع من الخدمات الصحية.
وفي ما يتعلق بآليات الاستفادة، أبرز المجلس وجود تفاوت واضح في تطبيق آلية “الثالث المؤدي”، حيث يتم اعتمادها بشكل واسع في القطاع العام عبر التعاضديات، في حين يظل استخدامها في القطاع الخاص محدودا، ويرتبط أساسا بحالات الاستشفاء. كما أشار إلى تعميم هذه الآلية داخل المؤسسات الصحية العمومية لفائدة مستفيدي “أمو-تضامن”، مقابل اعتماد أنظمة أخرى على أسلوب التعويض المباشر عن المصاريف، ما يعكس اختلافا في طرق تحمل التكاليف الصحية بين الفئات.
وعلى المستوى المالي، كشف الرأي أن “أمو-القطاع الخاص”، الذي يديره الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، يحقق فائضا سنويا يناهز 3.55 مليار درهم، مع احتياطات مالية تقدر بـ43.67 مليار درهم، ما يمنحه أفق استدامة يتجاوز 20 سنة.
في المقابل، يعاني “أمو-القطاع العام”، الذي يشرف عليه الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي، من عجز مالي متواصل منذ سنة 2021، بلغ حوالي مليار درهم سنة 2025، مع تراجع التوازن الديمغرافي إلى 1.61 نشيطا مقابل كل متقاعد، وهو ما ينذر، بحسب المجلس، باستنفاد الاحتياطات بحلول سنة 2028.
أما نظاما “أمو-العمال غير الأجراء” و“أمو-الشامل”، فقد سجلا بدورهما اختلالات بنيوية، حيث بلغت نسبة المصاريف إلى الاشتراكات 1.29 و2.73 على التوالي، إلى جانب بروز ظاهرة “الانتقاء العكسي”، المتمثلة في انخراط الأشخاص الذين يحتاجون إلى العلاج بشكل فوري، مع متوسط كلفة سنوية يفوق 6000 درهم لكل مؤمن.
ودعا المجلس إلى إطلاق دراسة اكتوارية شاملة تمتد على الأقل لعشرين سنة لكل نظام، مدعومة بتحليلات سوسيو-اقتصادية ودراسات للأثر، مع الحفاظ على التوازنات المالية عبر مراجعة اشتراكات القطاع العام، سواء بإلغاء سقف الاشتراكات أو تعديل نسبها، إضافة إلى تحيين التعريفة الوطنية المرجعية التي لم تُراجع منذ سنة 2006.
واختتم المجلس بتوصية تدعو إلى جعل التسجيل في التأمين الإجباري الأساسي عن المرض إلزاميا وشاملا لجميع المواطنين، مع إلغاء مفهوم “الحقوق المغلقة”، بهدف ضمان ولوج غير مشروط وعادل إلى الخدمات الصحية وتعزيز استدامة المنظومة على المدى البعيد.

التعليقات مغلقة.