أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

تصريح بلفور.. كيف رسم معالم المشرق العربي الجديد؟

جريدة أصوات

من رسالة دبلوماسية بريطانية صدرت سنة 1917 إلى أحد أبرز المنعطفات في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، ارتبط تصريح بلفور بسلسلة من التحولات السياسية والاستعمارية التي أعادت تشكيل المشرق العربي، وفتحت الطريق أمام قيام إسرائيل، وكرست واقعاً إقليمياً ما زالت تداعياته حاضرة بعد أكثر من قرن.

في الثاني من نونبر سنة 1917، أصدرت الحكومة البريطانية وثيقة دبلوماسية قصيرة حملت اسم وزير خارجيتها آنذاك آرثر جيمس بلفور، لكنها سرعان ما تحولت إلى واحدة من أكثر الوثائق تأثيراً في تاريخ الشرق الأوسط خلال القرن العشرين. فقد أعلنت بريطانيا من خلالها دعمها لإقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، في سياق دولي اتسم بالحرب العالمية الأولى، وتراجع النفوذ العثماني، وتنافس القوى الأوروبية على السيطرة على الأراضي التي كانت خاضعة للإمبراطورية العثمانية.

ولم يكن تصريح بلفور مجرد موقف سياسي معزول، بل جاء ضمن شبكة من التفاهمات والوعود الدبلوماسية التي نسجتها بريطانيا خلال الحرب، بهدف ضمان مصالحها الاستراتيجية وتعزيز نفوذها في منطقة ذات أهمية جغرافية واقتصادية وعسكرية بالغة، خصوصاً بالنظر إلى موقع فلسطين القريب من قناة السويس والطرق المؤدية إلى الهند والمشرق العربي.
سياق دولي مهّد لصدور تصريح بلفور
لفهم الخلفيات التاريخية لتصريح بلفور، لا بد من العودة إلى ظروف الحرب العالمية الأولى التي اندلعت سنة 1914، عندما دخلت الدولة العثمانية الحرب إلى جانب ألمانيا والنمسا والمجر، في مواجهة بريطانيا وفرنسا وحلفائهما.

ومع امتداد المواجهات العسكرية، بدأت بريطانيا وفرنسا التفكير في مستقبل الأراضي العربية الخاضعة للنفوذ العثماني، خصوصاً بعدما اتضح أن انهيار الإمبراطورية العثمانية أصبح احتمالاً قائماً.

وفي هذا الإطار، أبرمت بريطانيا وفرنسا سنة 1916 اتفاقية سايكس بيكو السرية، التي حملت اسمي الدبلوماسيين مارك سايكس وفرانسوا جورج بيكو، ورسمت تصورات لتوزيع مناطق النفوذ والسيطرة بين القوتين الأوروبيتين في المشرق العربي.

وتضمنت الاتفاقية ترتيبات تتعلق بالعراق وبلاد الشام ومناطق أخرى، مع وضع تصور خاص لفلسطين، التي كان مقرراً أن تخضع لنظام إدارة دولية وفق الصيغة المتفق عليها آنذاك.

وفي الوقت نفسه، كانت بريطانيا تجري اتصالات مع الشريف حسين بن علي، شريف مكة، من خلال المراسلات التي تبادلها مع المندوب السامي البريطاني في مصر هنري مكماهون بين عامي 1915 و1916، والتي ارتبطت بتطلعات العرب إلى الاستقلال عن الحكم العثماني مقابل التعاون مع بريطانيا خلال الحرب.

وهكذا وجدت المنطقة نفسها أمام وعود وتفاهمات متعددة، لم تكن متطابقة في أهدافها أو نتائجها، وهو ما سيظهر بوضوح بعد انتهاء الحرب وانكشاف الترتيبات الأوروبية المتعلقة بمستقبل المشرق العربي.
ماذا تضمن تصريح بلفور؟
في الثاني من نونبر 1917، وجه وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور رسالة إلى اللورد ليونيل والتر روتشيلد، أحد أبرز الشخصيات اليهودية في بريطانيا، تضمنت إعلان دعم الحكومة البريطانية لإقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين.

وجاء في الرسالة أن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل قصارى جهدها لتسهيل تحقيق هذا الهدف، مع اشتراط عدم القيام بأي عمل من شأنه الانتقاص من الحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين، أو المساس بالحقوق والوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى.

غير أن الوثيقة أثارت إشكالية جوهرية تتعلق بتجاهل الحقوق السياسية والوطنية للسكان العرب الفلسطينيين الذين كانوا يشكلون غالبية السكان في تلك المرحلة.

فبينما تحدث التصريح عن الحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية، لم يتضمن اعترافاً واضحاً بحقوقهم السياسية أو بحقهم في تقرير المصير، وهو ما أصبح لاحقاً أحد أبرز أوجه الانتقاد التاريخي والقانوني الموجه إلى السياسة البريطانية في فلسطين.
من تصريح سياسي إلى سياسة استعمارية على أرض الواقع
اكتسب تصريح بلفور طابعاً أكثر إلزاماً عندما جرى إدماجه في نظام الانتداب البريطاني على فلسطين، الذي أقره مجلس عصبة الأمم سنة 1922، ودخل حيز التنفيذ سنة 1923.

فقد نصت ديباجة صك الانتداب على مسؤولية بريطانيا عن تنفيذ الإعلان الصادر في 2 نونبر 1917، كما حمّلتها المادة الثانية مسؤولية تهيئة الظروف السياسية والإدارية والاقتصادية اللازمة لإقامة الوطن القومي اليهودي، بالتوازي مع ضمان الحقوق المدنية والدينية لجميع سكان فلسطين.

ومنحت المادة الرابعة الوكالة اليهودية وضعاً مؤسساتياً يسمح لها بالتعاون مع الإدارة البريطانية في القضايا المرتبطة بالمشروع الصهيوني ومصالح السكان اليهود، بينما تضمنت مواد أخرى مقتضيات مرتبطة بالهجرة والاستيطان وتطوير المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية.

وبذلك انتقل تصريح بلفور من مجرد إعلان سياسي إلى مرجعية معتمدة في إدارة الانتداب، الأمر الذي جعل بريطانيا طرفاً أساسياً في تنفيذ سياسة ساهمت في تغيير البنية السكانية والسياسية والاقتصادية لفلسطين خلال العقود اللاحقة.

وكان هذا التحول من أبرز أسباب تصاعد التوتر بين الحركة الوطنية الفلسطينية والإدارة البريطانية، خصوصاً مع تزايد الهجرة اليهودية، وتنامي النشاط السياسي والتنظيمي للحركة الصهيونية، واحتدام الخلاف حول مستقبل البلاد وحقوق سكانها الأصليين.
سايكس بيكو وبلفور.. اتفاقيات صنعت مرحلة جديدة في المشرق العربي
لا يمكن قراءة تصريح بلفور بمعزل عن اتفاقية سايكس بيكو، لأن الوثيقتين تعكسان جانباً من الترتيبات الدولية التي رافقت تفكك الإمبراطورية العثمانية وإعادة توزيع مناطق النفوذ في المشرق العربي.

ففي ماي 1916، توصلت بريطانيا وفرنسا إلى اتفاق سري حدد مناطق النفوذ والسيطرة في أجزاء واسعة من الأراضي العربية، حيث حصلت فرنسا على مناطق نفوذ في بلاد الشام، بينما حصلت بريطانيا على مناطق نفوذ في العراق ومناطق أخرى، مع ترتيبات خاصة بفلسطين.

لكن الفرق بين الوثيقتين يظل جوهرياً؛ فسايكس بيكو ارتبطت أساساً بتقسيم مناطق النفوذ بين القوى الاستعمارية، بينما ركز تصريح بلفور على دعم إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين.

وفي الوقت الذي كانت فيه بريطانيا تتفاوض مع الفرنسيين بشأن مستقبل المنطقة، كانت تتبادل المراسلات مع الشريف حسين بن علي بشأن استقلال الأراضي العربية، وهو ما أوجد تناقضات بين الوعود المقدمة للأطراف المختلفة.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، ظهرت هذه التناقضات بوضوح في مؤتمر سان ريمو سنة 1920، الذي أقر توزيع الانتدابات على الأراضي العثمانية السابقة، فحصلت بريطانيا على الانتداب على فلسطين والعراق، فيما حصلت فرنسا على الانتداب على سوريا ولبنان.

وهكذا بدأت تتشكل خريطة سياسية جديدة للمشرق العربي، استندت إلى قرارات القوى المنتصرة في الحرب أكثر مما استندت إلى تطلعات الحركات الوطنية التي كانت تطالب بالاستقلال والسيادة.

كيف تشكلت خريطة العراق وسوريا ولبنان وشرق الأردن؟
أدت ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى إلى ظهور كيانات سياسية جديدة، وإلى إعادة تنظيم المجال الجغرافي والإداري للمشرق العربي.

العراق: وضعت بريطانيا العراق تحت انتدابها، وعملت على إقامة نظام ملكي بقيادة فيصل بن الحسين، الذي توج ملكاً سنة 1921. وجاء ذلك بعد مرحلة من المقاومة والاحتجاجات الشعبية، أبرزها ثورة العشرين، التي عكست رفض قطاعات واسعة من العراقيين للوجود البريطاني المباشر.

سوريا: خضعت سوريا للانتداب الفرنسي، بعد أن دخلت القوات الفرنسية دمشق سنة 1920، منهية تجربة المملكة العربية السورية التي قادها الملك فيصل بن الحسين. وعملت الإدارة الفرنسية على تقسيم البلاد إلى وحدات إدارية ومناطق ذات ترتيبات خاصة، في إطار سياسة استهدفت إدارة التنوعات المحلية وإحكام السيطرة على المجال السوري.

لبنان: أنشأت فرنسا دولة لبنان الكبير سنة 1920، بعد توسيع حدود متصرفية جبل لبنان لتشمل بيروت وطرابلس وصيدا وصور ومناطق أخرى. وأصبح هذا الكيان أساساً للدولة اللبنانية الحديثة، مع خصوصية تركيبته الطائفية والسياسية التي أثرت لاحقاً في نظامه الدستوري ومؤسساته.

شرق الأردن: ساهمت الترتيبات البريطانية في ظهور إمارة شرق الأردن بقيادة الأمير عبدالله بن الحسين سنة 1921، قبل أن تحصل على استقلالها سنة 1946، وتصبح المملكة الأردنية الهاشمية.

وفي هذا السياق، جرى سنة 1922 اعتماد مذكرة خاصة باستثناء شرق الأردن من بعض أحكام الانتداب المتعلقة بإقامة الوطن القومي اليهودي والهجرة اليهودية، وهو ما كرس مساراً سياسياً وإدارياً منفصلاً للمنطقة الواقعة شرق نهر الأردن.

هذه التحولات لم تكن مجرد تغييرات في أسماء الدول وحدودها، بل أسست لأنظمة سياسية ومؤسسات إدارية وجيوش وطنية، وخلقت واقعاً إقليمياً جديداً ظل يتطور بعد الاستقلال، سواء من خلال الصراعات الحدودية أو التنافس على النفوذ أو اختلاف التوجهات السياسية بين الدول الناشئة.
فلسطين.. من الانتداب البريطاني إلى النكبة سنة 1948
ظل الملف الفلسطيني الأكثر ارتباطاً المباشر بتصريح بلفور، بالنظر إلى أن الوثيقة استهدفت منذ البداية دعم إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين.

وخلال فترة الانتداب البريطاني، شهدت فلسطين تحولات سكانية واقتصادية وسياسية متسارعة، ارتبطت بتزايد الهجرة اليهودية، وشراء الأراضي، وتطور المؤسسات السياسية والتنظيمية الصهيونية، مقابل تصاعد المطالب الوطنية الفلسطينية الرافضة للانتداب ولمشروع إقامة وطن قومي يهودي على أرض فلسطين.

وكانت ثورة فلسطين الكبرى بين عامي 1936 و1939 إحدى أبرز محطات المقاومة ضد الإدارة البريطانية والهجرة اليهودية، حيث تحولت إلى حركة واسعة ذات أبعاد وطنية وسياسية واجتماعية.

ومع استمرار الصراع، وجدت بريطانيا نفسها أمام أزمة متفاقمة، قبل أن تقرر سنة 1947 إحالة القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة، بعدما أصبح استمرار الانتداب أكثر صعوبة في ظل تصاعد المواجهة بين الأطراف المعنية.

وفي 29 نونبر 1947، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 181، المعروف بقرار التقسيم، الذي أوصى بإنهاء الانتداب البريطاني وتقسيم فلسطين إلى دولتين، عربية ويهودية، مع وضع القدس تحت نظام دولي خاص.

غير أن القرار لم يتحول إلى تسوية مقبولة من جميع الأطراف، واندلعت مواجهات مسلحة تواصلت مع إعلان قيام دولة إسرائيل في 14 ماي 1948 وانتهاء الانتداب البريطاني.

وأفضت حرب 1948 إلى تهجير ونزوح أكثر من نصف السكان العرب الفلسطينيين آنذاك، وفق المعطيات التاريخية التي تعرضها الأمم المتحدة، في واحدة من أكبر عمليات النزوح التي عرفتها المنطقة خلال القرن العشرين، وهي الأحداث التي يحيي الفلسطينيون ذكراها باسم النكبة.

كما توسعت إسرائيل خلال الحرب لتسيطر على نحو 77 في المائة من مساحة فلسطين التي كانت خاضعة للانتداب، بينما أصبحت الضفة الغربية تحت الإدارة الأردنية، وقطاع غزة تحت الإدارة المصرية.

من حرب 1948 إلى حرب 1967.. استمرار تداعيات التقسيم
لم تنته تداعيات المرحلة التي أعقبت تصريح بلفور بإعلان قيام إسرائيل، بل دخل المشرق العربي مرحلة جديدة من الصراعات والحروب التي أعادت طرح قضايا الحدود والسيادة والهوية الوطنية.

فقد ظلت القضية الفلسطينية محوراً أساسياً في العلاقات العربية والدولية، وتعددت المبادرات السياسية والعسكرية لمعالجة الصراع، وسط انقسام عربي حول وسائل المواجهة وآليات التسوية.

وفي يونيو 1967، اندلعت حرب الأيام الستة، التي انتهت باحتلال إسرائيل الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، إضافة إلى شبه جزيرة سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية.

وأنتجت هذه الحرب واقعاً جغرافياً وسياسياً جديداً، إذ أصبحت إسرائيل تسيطر على أراضٍ عربية إضافية، فيما برزت قضية الاحتلال والانسحاب والحدود واللاجئين باعتبارها عناصر مركزية في أي تسوية سياسية مستقبلية.

وفي نونبر 1967، صدر قرار مجلس الأمن رقم 242، الذي أكد مبادئ تتعلق بانسحاب القوات الإسرائيلية من أراضٍ احتلت خلال النزاع، وإنهاء حالات الحرب، واحترام سيادة دول المنطقة ووحدة أراضيها وحقها في العيش ضمن حدود آمنة ومعترف بها.

تصريح بلفور وإشكالية الوعود الاستعمارية
من أبرز الجوانب التي تجعل تصريح بلفور وثيقة تاريخية مثيرة للجدل، أنه صدر عن حكومة بريطانية لم تكن تملك السيادة على فلسطين، لكنها تعهدت بدعم مشروع سياسي يتعلق بمستقبل أرض يعيش عليها شعب له وجوده التاريخي والاجتماعي والسياسي.

كما أن الوثيقة لم تتضمن تحديداً واضحاً لطبيعة الوطن القومي اليهودي أو حدوده أو نظامه السياسي، وهو ما ترك مجالاً واسعاً للتأويل والتطور السياسي خلال فترة الانتداب.

وتبرز هنا مفارقة تاريخية مهمة؛ فبريطانيا تحدثت عن حماية الحقوق المدنية والدينية للسكان غير اليهود في فلسطين، لكنها لم تضع في تصريحها ضمانات مماثلة لحقوقهم السياسية والوطنية، رغم أنهم كانوا يمثلون غالبية السكان آنذاك.

ومن جهة أخرى، لا يمكن اختزال جميع التحولات التي عرفها المشرق العربي في تصريح بلفور وحده، لأن تشكل الدول والحدود الحديثة كان نتيجة مجموعة من العوامل، من بينها الحرب العالمية الأولى، واتفاقيات القوى الأوروبية، ونظام الانتداب، والحركات الوطنية المحلية، والتطورات الدولية اللاحقة.
هل ما زال المشرق العربي يعيش على إرث سنة 1917؟
بعد مرور أكثر من قرن على صدور تصريح بلفور، ما زالت المنطقة تعيش تداعيات عدد من القرارات والترتيبات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى.

فالقضية الفلسطينية لا تزال تشكل أحد أبرز ملفات الصراع في الشرق الأوسط، كما أن قضايا الحدود والسيادة واللاجئين والقدس والاحتلال تظل حاضرة في النقاشات الدولية، رغم تعدد الاتفاقيات والمبادرات السياسية التي عرفتها المنطقة.

وفي المقابل، شهدت الدول التي تشكلت خلال مرحلة الانتداب تحولات عميقة، من الاستقلال إلى الانقلابات العسكرية والحروب الأهلية والصراعات الإقليمية، وهو ما جعل الخريطة السياسية للمشرق العربي تتجاوز بكثير التصورات الأولى التي وضعتها القوى الأوروبية بعد سقوط الدولة العثمانية.

كما أن استمرار النزاعات في فلسطين وسوريا والعراق ولبنان، وإن كانت لكل منها أسبابها وسياقاتها الخاصة، يعيد طرح سؤال العلاقة بين الحدود التي رسمتها القوى الدولية ومطالب الشعوب بالسيادة والاستقلال وبناء دول مستقرة.

ولذلك، فإن العودة إلى تصريح بلفور لا تكتسي أهمية تاريخية فقط، بل تظل ضرورية لفهم جذور جانب من الإشكالات السياسية التي ما زالت تؤثر في الشرق الأوسط، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بفلسطين ومستقبل التسوية السياسية في المنطقة.
خلاصة: رسالة قصيرة غيرت مسار التاريخ
لم يكن تصريح بلفور مجرد رسالة دبلوماسية عابرة، بل شكل حلقة أساسية ضمن سلسلة من التحولات التي أعادت تشكيل المشرق العربي بعد الحرب العالمية الأولى.

فمن اتفاقية سايكس بيكو إلى مؤتمر سان ريمو، ومن الانتداب البريطاني والفرنسي إلى ظهور العراق وسوريا ولبنان وشرق الأردن بصيغها السياسية الحديثة، وصولاً إلى تقسيم فلسطين سنة 1947 وقيام إسرائيل سنة 1948، تتابعت الأحداث التي أسست للخريطة السياسية الراهنة للمنطقة.

ومع ذلك، فإن قراءة تاريخ المشرق العربي تقتضي التمييز بين دور تصريح بلفور في المسألة الفلسطينية، ودور الاتفاقيات الدولية الأخرى في تشكيل بقية الكيانات العربية، وعدم اعتبار الوثيقة وحدها تفسيراً شاملاً لكل ما عرفته المنطقة من صراعات وتحولات.

وبين وثيقة صدرت في لندن سنة 1917 وواقع إقليمي لا يزال يشهد نزاعات وتوترات، يبقى تصريح بلفور شاهداً على مرحلة لعبت فيها القرارات الدولية للقوى الكبرى دوراً حاسماً في تحديد مستقبل شعوب المنطقة، دون أن تكون تلك الشعوب طرفاً متكافئاً في صياغة مصيرها.

التعليقات مغلقة.