تواجه الحكومة المغربية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري مجموعة من التحديات الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بتعزيز المنافسة النزيهة، ومحاربة الممارسات الاحتكارية، وضمان تكافؤ الفرص بين المقاولات الكبرى والصغرى، بما يساهم في حماية القدرة الشرائية للمواطنين وتوسيع فرص الشغل أمام الشباب.
ويأتي هذا النقاش في سياق تعهدات البرنامج الحكومي للفترة 2026–2031، الرامية إلى محاربة الاحتكار والوساطة غير المشروعة، وتقوية دور مجلس المنافسة، وتشديد مراقبة الصفقات العمومية، والتصدي للممارسات التي قد تخل بمبدأ المنافسة.
سوق السيارات في صلب النقاش
ويبرز قطاع السيارات ضمن المجالات التي تطرح تساؤلات بشأن شفافية الأسعار، وتعدد خيارات المستهلكين، وشروط البيع والضمان وخدمات ما بعد البيع، فضلاً عن مدى قدرة المستثمرين الجدد على دخول السوق في ظروف تنافسية عادلة.
وفي هذا السياق، سبق لمجلس المنافسة أن أنجز دراسة قطاعية حول سوق السيارات بالمغرب، كما تناول عمليات تركيز اقتصادي مرتبطة بتوزيع السيارات وقطع الغيار وخدمات الصيانة والإصلاح.
غير أن وجود عمليات تركيز اقتصادي أو توزيع حصري لا يعني بالضرورة وقوع احتكار مخالف للقانون، إذ يظل تقييم وضعية المنافسة مرتبطاً بتحليل المعطيات السوقية والتحقق من مدى احترام القواعد القانونية المنظمة للقطاع.
هل تتجه الحكومة إلى إحداث لجنة للمحاسبة؟
وفي ظل هذه المعطيات، يبرز التساؤل حول إمكانية إحداث آلية خاصة لمراقبة الممارسات الاقتصادية ومساءلة الشركات الكبرى والمسؤولين العموميين عند الاقتضاء.
وحتى الآن، لا تتوفر معطيات رسمية كافية لتأكيد إحداث لجنة جديدة مخصصة حصرياً لهذا الغرض، في وقت تظل فيه المؤسسات المختصة، وفي مقدمتها مجلس المنافسة والهيئات الرقابية، معنية بممارسة اختصاصاتها وفق القوانين الجاري بها العمل.
وتتطلب محاربة الممارسات المنافية للمنافسة تعزيز الشفافية، وضمان استقلالية التحقيقات، وتطبيق القانون على مختلف الفاعلين دون تمييز، مع احترام حقوق الأطراف وقرينة البراءة إلى حين ثبوت أي مخالفة.
الشركات الكبرى وفرص الشباب
ولا يقتصر النقاش على الأسعار والمنافسة، بل يمتد إلى مدى مساهمة الاستثمارات الكبرى في خلق فرص الشغل، وإدماج الكفاءات الشابة، ودعم المقاولات الصغرى والناشئة.
وتبرز في هذا الإطار أهمية اعتماد مؤشرات واضحة لقياس أثر السياسات الاقتصادية على التشغيل والتكوين المهني، ومدى استفادة المقاولات الصغيرة من الصفقات العمومية وسلاسل الإنتاج والتوريد.
كما يطرح تدبير الصفقات والتراخيص العمومية ضرورة تعزيز آليات الوقاية من تضارب المصالح، وضمان تكافؤ الفرص، والتحقيق في أي شبهات وفق المساطر القانونية، دون توجيه اتهامات غير مثبتة إلى أشخاص أو مؤسسات.
مجلس المنافسة أمام مسؤولية التطبيق
ويشكل مجلس المنافسة إحدى المؤسسات الرئيسية المكلفة بمراقبة الممارسات المنافية للمنافسة وعمليات التركيز الاقتصادي واستغلال وضعيات الهيمنة، في حدود اختصاصاته القانونية.
ويظل الرهان المطروح مرتبطاً بمدى انعكاس تدخلات المؤسسات الرقابية على واقع الأسواق، من خلال الكشف عن الاختلالات عند ثبوتها، واتخاذ القرارات المناسبة، وتعزيز الشفافية وتوفير المعلومات التي تساعد المستهلكين والمستثمرين على فهم شروط المنافسة.
كما أن نجاح هذه الجهود يقتضي تحديد أهداف قابلة للقياس، ووضع آليات للتتبع والتقييم، ونشر النتائج والتقارير وفق الضوابط القانونية.
المحاسبة تبدأ من تفعيل القانون
وتتجه الأنظار إلى مدى ترجمة الحكومة تعهداتها المتعلقة بمحاربة الاحتكار وضمان تكافؤ الفرص إلى إجراءات عملية تشمل مراقبة الأسواق والصفقات العمومية، وتعزيز حماية المستهلك، وتسهيل ولوج المقاولات الجديدة إلى مختلف القطاعات.
ويظل التحدي الأساسي هو إرساء بيئة اقتصادية تقوم على المنافسة العادلة، وتحفز الاستثمار والابتكار، وتوسع فرص العمل أمام الشباب، مع إخضاع الشركات والمسؤولين للمساءلة القانونية كلما ثبتت مخالفات تدخل ضمن اختصاص المؤسسات المعنية.
وبين الوعود الحكومية وانتظارات المواطنين، يبقى السؤال المطروح هو مدى قدرة الإجراءات المرتقبة على إحداث أثر ملموس في الأسعار، وفرص الشغل، وشفافية المعاملات، وعدالة الولوج إلى الأسواق.

التعليقات مغلقة.