احتفاء بعيد الوحدة وتخليداً للذكرى الواحدة والخمسين للمسيرة الخضراء، نظمت كلية العلوم القانونية والسياسية بمراكش، التابعة لجامعة القاضي عياض، مساء الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، ندوة وطنية تحت شعار: «عيد المسيرة الخضراء وعيد الوحدة.. من ملحمة التحرير إلى ترسيخ الوحدة الوطنية»، بمشاركة أساتذة جامعيين وباحثين ناقشوا مستجدات قضية الصحراء المغربية، وآفاق تنزيل مبادرة الحكم الذاتي، وأبعادها القانونية والسياسية والاقتصادية، إلى جانب رهانات التنمية والاندماج الإفريقي.
وشكلت الندوة مناسبة لاستحضار التحولات التي عرفتها قضية الوحدة الترابية للمملكة، انطلاقاً من المسيرة الخضراء سنة 1975، مروراً بمبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007، وصولاً إلى التطورات المرتبطة بقرار مجلس الأمن رقم 2797، الصادر في 31 أكتوبر 2025، وما يثيره من نقاش بشأن آفاق التسوية السياسية للنزاع.
وفي كلمته الافتتاحية، أشاد رئيس جامعة القاضي عياض، الدكتور بلعيد بوكادير، بمبادرة الكلية إلى تنظيم هذا اللقاء العلمي حول قضية وطنية تحظى بمكانة مركزية في الوجدان المغربي، مؤكداً أن الوحدة الترابية تتجاوز أبعادها السياسية لتتقاطع فيها الاعتبارات التاريخية والقانونية والدبلوماسية.
واستحضر بوكادير الرمزية التاريخية للمسيرة الخضراء باعتبارها تجسيداً لالتحام العرش والشعب، مشيراً إلى انتقال المغرب من مرحلة التحرير إلى مرحلة ترسيخ الوحدة الوطنية، ومبرزاً دور الجامعة في مواكبة التحولات السياسية والدبلوماسية من خلال البحث العلمي والتحليل الأكاديمي. كما توقف عند أهمية المبادرة الأطلسية في تعزيز ارتباط المملكة بعمقها الإفريقي وتوسيع آفاق التعاون والتبادل بين الدول.
من جانبه، أكد عميد كلية العلوم القانونية والسياسية بمراكش، الدكتور أشرف جنوي، أن تخليد ذكرى المسيرة الخضراء لا يقتصر على استحضار حدث تاريخي، بل يشكل فرصة للتفكير في مسار استكمال الوحدة الترابية ومواكبة التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها المغرب.
وأبرز جنوي الارتباط بين قضية الصحراء المغربية والنموذج التنموي بالأقاليم الجنوبية، مشدداً على أهمية الاندماج الإفريقي والتكامل الاقتصادي، وعلى الدور الذي تضطلع به الجامعة في إنتاج المعرفة وتقديم قراءات علمية للتحولات الوطنية والدولية.
بدوره، تناول الدكتور محمد محروك، رئيس شعبة القانون الخاص بالكلية، الدلالات التاريخية والسياسية للجمع بين عيد الوحدة وذكرى المسيرة الخضراء، معتبراً أن هذا الربط يعكس الانتقال من استحضار ذاكرة التحرير إلى مواصلة البناء والتنمية. كما شدد على أن ترسيخ الوحدة الوطنية يرتبط بتحقيق العدالة المجالية وتكافؤ الفرص والتنمية المستدامة والاستجابة لتطلعات المواطنين.
القرار الأممي ومبادرة الحكم الذاتي في صلب النقاش
وشهدت الجلسة العلمية، التي أدارها الدكتور إدريس الكريني، تقديم مداخلات تناولت مستجدات قضية الصحراء المغربية وأبعاد القرار الأممي رقم 2797، فضلاً عن الرهانات المرتبطة بمبادرة الحكم الذاتي.
وفي هذا السياق، ناقش الدكتور محمد الغالي، عميد كلية العلوم القانونية والسياسية بقلعة السراغنة، التحولات التي عرفها التعاطي الدولي مع النزاع، والأبعاد الجيوسياسية للملف في ظل تباين مصالح القوى الكبرى، مبرزاً أهمية الدبلوماسية المغربية في تعزيز الحضور الدولي للمملكة وتطوير الشراكات الاقتصادية والاستراتيجية.
كما أكد أهمية مواكبة مبادرة الحكم الذاتي بمشاريع تنموية وبنيات تحتية قادرة على تعزيز مكانة الأقاليم الجنوبية وربطها بمحيطها الإفريقي.
من جهته، تناول الدكتور الغالي الغيلاني موضوع «مبادرة الحكم الذاتي بالصحراء المغربية من الواقعية السياسية إلى المشروعية الدولية»، مستعرضاً تطور المبادرة المغربية منذ سنة 2007 والتحولات التي رافقت المواقف الدولية بشأن القضية.
كما تطرق إلى دور القرار الأممي رقم 2797 في تأطير المسار التفاوضي، وفق ما عرضه في مداخلته، مؤكداً أن التفاوض المغربي ينصب على تفاصيل الحكم الذاتي في إطار السيادة الوطنية، وليس على السيادة نفسها.
وتقاطعت هذه المقاربة مع مداخلة الدكتور إدريس الكريني، الذي سلط الضوء على الأبعاد التاريخية والقانونية لقضية الصحراء المغربية، مستحضراً روابط البيعة التاريخية والإشكالات المرتبطة بالشرعية التاريخية والمشروعية الدولية وآليات تسوية النزاعات.
الجهوية المتقدمة ورهانات تنزيل الحكم الذاتي
ومن بين المحاور التي حظيت باهتمام المشاركين، العلاقة بين الجهوية المتقدمة ومبادرة الحكم الذاتي، حيث قدم الدكتور عبد الكريم حيضرة مداخلة بعنوان «قضية الصحراء المغربية بين الجهوية المتقدمة والحكم الذاتي».
وركزت المداخلة على الإشكالات المرتبطة بتنزيل الحكم الذاتي، وطبيعة الصلاحيات التي يمكن أن تتمتع بها المؤسسات الجهوية، والعلاقة بين تدبير الشؤون المحلية واختصاصات الدولة المركزية.
كما تناولت حدود التجربة المغربية في مجال الجهوية المتقدمة، والتمييز بين اللامركزية الإدارية وتوسيع الاختصاصات السياسية والمؤسساتية للجهات، مع استحضار بعض التجارب المقارنة، ولاسيما التجربة الإسبانية، مع مراعاة خصوصيات النظام الدستوري المغربي.
وانصب النقاش على أهمية تحديد الاختصاصات، وآليات تدبير الموارد المالية والاقتصادية، وتنظيم العلاقة بين المؤسسات الجهوية والدولة، بما يضمن وضوح المسؤوليات ونجاعة التدبير والاستجابة لانتظارات الساكنة.
المبادرة الأطلسية في خدمة التنمية والاندماج الإفريقي
وفي البعد الاقتصادي والاستراتيجي، قدم الدكتور منعم الحسين مداخلة بعنوان «المبادرة الأطلسية حين تصبح وحدة المملكة رافعة لازدهار مشترك»، تناول فيها الإمكانات التنموية التي تتيحها الواجهة الأطلسية للمغرب، ودورها في تعزيز التعاون الاقتصادي مع الدول الإفريقية.
وأكد المتدخل أن الوحدة الوطنية تشكل منطلقاً لتطوير فرص الاستثمار والتكامل الاقتصادي، مسلطاً الضوء على أهمية المشاريع المهيكلة، وفي مقدمتها ميناء الداخلة الأطلسي والطريق السريع تزنيت–الداخلة، باعتبارهما مشروعين يستهدفان تحسين الربط بين شمال المملكة وجنوبها وتعزيز انفتاح المغرب على عمقه الإفريقي.
وخلصت أشغال الندوة إلى إبراز أهمية التكامل بين المقاربة القانونية والسياسية لقضية الصحراء المغربية والرهانات التنموية والاقتصادية المرتبطة بها، مع التأكيد على دور الجامعة في مواكبة القضايا الوطنية من خلال البحث العلمي والنقاش الأكاديمي، واستشراف آفاق ترسيخ الوحدة الوطنية وتعزيز التعاون الإفريقي.

التعليقات مغلقة.