يواصل المركب المينائي طنجة المتوسط تعزيز مكانته ضمن المنظومة الاقتصادية والتجارية للمغرب، بعدما تحول إلى منصة استراتيجية تربط المملكة بالأسواق العالمية، وتدعم الاستثمار والصناعة والتجارة والخدمات اللوجستية، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول مدى انعكاس هذا النمو على فرص الشغل وتحسين الأوضاع الاجتماعية بجهة طنجة–تطوان–الحسيمة.
وتكشف الحصيلة المسجلة خلال سنة 2025 عن حجم التطور الذي يشهده الميناء، إذ بلغ عدد الحاويات المعالجة 11 مليوناً و106 آلاف و164 حاوية مكافئة لعشرين قدماً، بارتفاع نسبته 8,4 في المائة مقارنة بسنة 2024. كما وصل حجم البضائع المعالجة إلى 161 مليون طن، مسجلاً زيادة قدرها 13,3 في المائة، فيما بلغ عدد شاحنات النقل الدولي 535 ألفاً و203 شاحنات، بارتفاع نسبته 3,6 في المائة.
وتعكس هذه المؤشرات تنامي الدور الاستراتيجي للميناء في حركة التجارة الدولية ودعم الصادرات المغربية، خاصة المنتجات الصناعية والفلاحية الغذائية، فضلاً عن مساهمته في تعزيز جاذبية المنطقة للاستثمارات الصناعية والتجارية.
ولا تقتصر أهمية طنجة المتوسط على نشاطه المينائي، بل تمتد إلى المناطق الصناعية واللوجستية المرتبطة به، والتي تستفيد من القرب من الميناء وتوفر خدمات النقل والتخزين والتوزيع. وقد ساهم هذا التكامل في دعم أنشطة صناعية متعددة، من بينها صناعة السيارات ومكوناتها، إلى جانب توفير فرص للمقاولات العاملة في النقل والصيانة والتوريد والخدمات اللوجستية.
غير أن الرهان الأساسي لا يتعلق فقط باستقطاب الاستثمارات ورفع حجم المبادلات التجارية، بل بمدى قدرة هذه الدينامية على خلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد الجهوي، وتعزيز حضور المقاولات المحلية في سلاسل الإنتاج والتوريد، بما يوسع دائرة المستفيدين من النمو الاقتصادي.
ويبرز التشغيل باعتباره أحد أهم التحديات المرتبطة بهذا التطور، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب الباحث عن فرص عمل. فالتوسع في الأنشطة الصناعية والمينائية يفتح آفاقاً مهنية في مجالات النقل والمناولة والصيانة والتدبير والمعلوميات والخدمات التقنية، غير أن توسيع الاستفادة من هذه الفرص يظل رهيناً بملاءمة التكوين المهني مع حاجيات المقاولات، وتيسير الولوج إلى عروض الشغل، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التمييز بين فرص الشغل المباشرة التي توفرها المؤسسات المينائية والصناعية، وتلك غير المباشرة التي تنشأ عن الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها، مع ضرورة الاستناد إلى معطيات موثقة لتحديد حجم مساهمتها الفعلية في التشغيل.
كما يطرح النمو المتواصل للميناء سؤال العدالة المجالية ومدى استفادة الساكنة المحلية من نتائجه، سواء من خلال توفير فرص العمل، أو تطوير البنيات التحتية والخدمات، أو تشجيع المبادرات المقاولاتية المحلية. ويستدعي ذلك تعزيز التعاون بين المؤسسات الاقتصادية والجامعات ومراكز التكوين والفاعلين المحليين، بهدف تطوير الكفاءات وتحويل الدينامية الاستثمارية إلى فرص تنموية أوسع.
وبموازاة ذلك، تواجه المنظومة المينائية تحديات تتعلق بتدبير حركة الشاحنات، واستدامة النقل، وحماية البيئة، وتطوير البنيات التحتية لمواكبة توسع الأنشطة الصناعية والتجارية، فضلاً عن ضرورة مواصلة الاستثمار في التكنولوجيا والرقمنة وتعزيز تنافسية المقاولات المغربية.
وهكذا، فإن نجاح طنجة المتوسط لا يقاس فقط بالأرقام القياسية التي يحققها في معالجة الحاويات والبضائع، بل أيضاً بقدرته على الإسهام في تنمية اقتصادية متوازنة، تتيح فرصاً أوسع للشباب والمقاولات المحلية، وتجعل من النمو المينائي رافعة لتحسين ظروف عيش المواطنين بجهة طنجة–تطوان–الحسيمة.

التعليقات مغلقة.