لم يعد سؤال “من يحكم العالم؟” كافيًا لفهم ما نعيشه اليوم، فالأدق أن نسأل: من يُشكّل وعينا، ويهندس اختياراتنا اليومية، ويوجه انتباهنا؟ لسنا أمام طفرة تكنولوجية عابرة، بل أمام تحوّل عميق في طبيعة السلطة ذاتها؛ انتقال من السيطرة المباشرة إلى الهيمنة الناعمة، ومن الإكراه الصريح إلى التوجيه الخفي عبر الشاشات.
هذا التحول لا يستند إلى “نظرية مؤامرة” تُدار في الظل، بل إلى منطق اقتصادي عالمي يعيد تعريف الإنسان بوصفه موردًا قابلًا للاستثمار. فمع صعود المنصات الرقمية الكبرى، تحوّلت البيانات الشخصية إلى مادة خام تُستخرج وتُحلل وتُباع في أسواق التنبؤ بالسلوك، ضمن ما يُعرف بـ”رأسمالية المراقبة”، وهو المفهوم الذي صاغته الباحثة في شوشانا زوبوف لوصف اقتصاد يقوم على تحويل التجربة الإنسانية إلى بيانات قابلة للتسليع.
حين تحدّث المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي عن “الهيمنة”، قصد قدرة طبقة ما على جعل رؤيتها للعالم تبدو طبيعية وبديهية. اليوم، تمارس الخوارزميات شكلًا جديدًا من هذه الهيمنة؛ فهي لا تفرض علينا ماذا نقرأ أو نشاهد، لكنها ترتب العالم أمامنا بطريقة تجعل بعض الخيارات أكثر حضورًا من غيرها، وتدفع أخرى إلى الهامش.
نحن لا نُجبَر على الاستهلاك، لكننا نُقاد إليه عبر هندسة دقيقة للرغبات. كل نقرة، كل إعجاب، كل ثانية نقضيها أمام مقطع فيديو، تتحول إلى إشارة ضمن معادلة ربح معقدة. لم يعد الهدف فقط بيع منتج، بل جعل السلوك ذاته قابلًا للتوقع والتوجيه.
في هذا السياق، يتغير موقع الفرد داخل المجتمع. فبدل أن يكون مواطنًا فاعلًا، يتحول إلى “مستخدم” دائم الاتصال، تُقاس قيمته بقدر تفاعله، ويُعاد تعريفه بوصفه زبونًا مستمرًا في سوق لا ينام. السوق لم يعد ينتظر حاجاتنا، بل يصنعها لنا، ويعيد تشكيل أولوياتنا تبعًا لمنطق العرض والطلب الرقمي.
وإذا كان المجتمع الصناعي، كما أشار الفيلسوف هربرت ماركوزه، قد خلق إنسانًا يظن نفسه حرًا بينما هو أسير حاجات مصطنعة، فإن المصنع اليوم لم يعد بناية ضخمة، بل شاشة في جيب كل فرد. التكنولوجيا تحيط بالإنسان من كل جانب: في العمل، والتسوق، والعلاقات، واستهلاك الأخبار، وحتى في تشكيل المواقف السياسية.
التحول الأخطر لا يقتصر على الاقتصاد، بل يمتد إلى المجال المعرفي. فمع صعود منصات مثل تيك توك وإنستغرام ويوتيوب، بات الوصول إلى المعلومة فوريًا، لكن التحقق منها لم يعد أولوية.
لم يعد كثيرون يسألون: من المتحدث؟ ما تكوينه؟ ما مصادره؟ صارت الثقة تُمنح بناءً على عدد المتابعين والمشاهدات، لا على قوة الحجة وصلابة الدليل. تراجعت الصحافة المهنية، وخفت صوت البحث الأكاديمي، أمام ثقافة السرعة والتفاعل. ومع إدمان الشاشة، أصبح الانتباه سلعة نادرة، تتنافس عليها المنصات بلا هوادة.
بين الحرية والتوجيه الخفي
المفارقة أن المجتمعات التي ترفع لواء الحرية الفردية هي الأكثر اندماجًا في هذا النمط من الهيمنة الرقمية. فالأجهزة الذكية ليست أدوات محايدة؛ إنها نقاط تجميع دائمة للبيانات. ومع تراكم هذه البيانات، لا يصبح من الممكن فقط معرفة ما نريده، بل التأثير فيما سنريده لاحقًا.
نحن نشارك تفاصيل حياتنا طوعًا، ونبث يومياتنا بحماس، ثم نتساءل كيف أصبحنا قابلين للتوجيه. المشكلة ليست في التكنولوجيا في حد ذاتها، بل في اختزال الإنسان إلى بعده الاستهلاكي، وفي تحول المنصات إلى بديل عن التفكير النقدي والجهد المعرفي.
مقاومات خافتة ومعركة الوعي
من داخل هذه المنظومة، ظهرت حركات وأصوات أكاديمية تدق ناقوس الخطر، مطالبة بالسيادة على البيانات، وحماية الخصوصية، وإعادة الاعتبار للصحافة المهنية. غير أن هذه الأصوات لا تزال خافتة أمام قوة رأس المال العابر للقارات.
المعركة الحقيقية اليوم ليست ضد الأجهزة أو التطبيقات، بل من أجل استعادة المسافة النقدية؛ القدرة على الشك، والتريث، والبحث. فإذا كانت الرأسمالية التقليدية تستغل قوة العمل، فإن نسختها الرقمية تستغل الانتباه والوعي. وحين يصبح الانتباه سلعة، يصبح الإنسان نفسه جزءًا من سلسلة الإنتاج.
السؤال لم يعد: هل نستخدم التكنولوجيا؟ بل: هل نملك وعيًا كافيًا حتى لا تُستخدم ضدنا؟ بين أن نكون فاعلين أحرارًا نُسائل ما يُعرض علينا، أو “مستخدمين نشيطين” في نظام يعرف عنا أكثر مما نعرفه عن أنفسنا، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة من تاريخ السلطة في العصر الرقمي.

التعليقات مغلقة.