أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

خلاصة كتاب “أصول الفلسفة الماركسية” لجورج بوليتزر

ة كتاب “أصول الفلسفة الماركسية” لجورج بوليتزر
بقلم الأستاذ محمد عيدني

يُعدّ كتاب «أصول الفلسفة الماركسية» (Principes élémentaires de philosophie) الذي ألّفه الفيلسوف الفرنسي جورج بوليتزر، بمشاركة غي بيس وموريس كافين، أحد أهم المداخل الفكرية لتبسيط الفلسفة الماركسية في القرن العشرين. صدر بعد وفاة مؤلفه عام 1946، وجاء ثمرة مشروع تربوي هدف إلى تعليم مبادئ المادية الجدلية والتاريخية للعمال والطلاب في فرنسا.

ينطلق بوليتزر من فكرة مركزية مفادها أن الفلسفة ليست تأملاً معزولاً، بل أداة لفهم العالم من أجل تغييره. الفلسفة الماركسية، كما يقدمها، هي علم يقوم على دراسة الواقع المادي وقوانينه الموضوعية، ويُميز بين منهجين متناقضين في تاريخ الفكر: المادية التي ترى أن المادة أصل كل وجود، والمثالية التي تعتقد أن الفكر هو الأساس. من هذا المنطلق، يضع بوليتزر الماركسية في موقع الفلسفة العلمية التي تتجاوز التأمل الميتافيزيقي إلى الفعل التاريخي.

يُبرز الكتاب الصراع بين المادية والمثالية كجوهر الفلسفة، منتقدًا المثالية التي تفصل الفكر عن الواقع، ومهاجمًا “اللا أدرية” التي يعتبرها شكلاً من أشكال الهروب البرجوازي من الحسم الفكري. ويرى أن العلم الحديث نفسه يبرهن على المادية، لأنه يفسر الظواهر وفق قوانين مستقلة عن الوعي.

أما في عرضه للمنهج الجدلي، فقد نجح بوليتزر في تبسيط القوانين الأربعة الأساسية للديالكتيك الماركسي: التغيّر الدائم، والترابط المتبادل، والتناقض الداخلي، والتحول من الكم إلى الكيف. هذه القوانين تُظهر أن الواقع في حركة مستمرة، وأن التطور لا يتم إلا عبر الصراع بين المتضادات. ومن خلال هذا الفهم، تصبح الجدلية المادية منهجاً علمياً لتحليل الطبيعة والمجتمع والفكر.

في الجانب التاريخي، يشرح بوليتزر المادية التاريخية باعتبارها تطبيقاً للجدلية على تطور المجتمع. فالإنتاج المادي وعلاقاته يشكلان الأساس الذي يُبنى عليه البناء الفوقي من سياسة وقانون وفكر ودين. وهكذا يُفسَّر التاريخ من خلال الصراع الطبقي بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، لا عبر الأفكار المجردة أو إرادة الأفراد.

ويولي المؤلف أهمية خاصة لمفهوم الأيديولوجيا بوصفها انعكاساً مشوّهاً للواقع المادي، لكنها في الوقت نفسه قوة فاعلة في الصراع الطبقي. فهي تُنتج وعياً زائفاً حين تخدم مصالح الطبقة السائدة، ويمكن أن تُصبح أداة للتحرر حين تعبّر عن وعي طبقي نقدي. من هنا، يرى بوليتزر أن الصراع الأيديولوجي جزء لا يتجزأ من الصراع السياسي والاجتماعي.

الكتاب لا يقتصر على عرض نظري، بل يحمل بعداً نضالياً واضحاً. فالفلسفة الماركسية، في نظر بوليتزر، ليست معرفة محايدة، بل موقف من الواقع، ووحدة بين الفكر والممارسة. يدعو إلى وعي ثوري للطبقة العاملة يجعل من الفلسفة أداة تحرر اجتماعي.

رغم وضوحه وجرأته الفكرية، تعرض الكتاب لنقد من بعض المفكرين الذين رأوا أنه يُبسّط الماركسية إلى حد الدوغمائية، ويقدّمها كحقيقة مطلقة. غير أن أهميته التاريخية تكمن في كونه شكّل خطوة حاسمة في تعميم الفكر الجدلي، وجعل الماركسية في متناول غير المتخصصين.

جورج بوليتزر، الذي أُعدم عام 1942 لمشاركته في المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي، ترك أثراً فلسفياً وإنسانياً عميقاً. جمع بين الفكر والنضال، وكرّس حياته لتعليم الفلسفة بوصفها سلاحاً في يد المقهورين. بعد وفاته، تولى غي بيس وموريس كافين جمع مخطوطاته وإتمام العمل، فنُشر الكتاب عام 1946، ليصبح من أكثر النصوص تأثيراً في التعليم الماركسي في أوروبا والعالم.

يظل «أصول الفلسفة الماركسية» من أبرز الكتب التي جمعت بين العمق النظري والبساطة التعليمية، وبين التحليل الفلسفي والرؤية الثورية. إنه شهادة على أن الفلسفة، في جوهرها، ليست بحثاً عن الحقيقة المجردة، بل أداة لفهم العالم من أجل تغييره.

التعليقات مغلقة.