حذرت دراسة علمية دولية حديثة من مستويات مقلقة لتلوث النترات في المياه الجوفية بحوض “الرمل” الواقع بمنطقة لوكوس جنوب مدينة العرائش، نتيجة الزراعة المكثفة وتسربات المياه العادمة، ما يضع المورد المائي الحيوي تحت ضغط متصاعد قد يهدد الأمن المائي والزراعي بالجهة.
ونُشرت الدراسة في دورية Scientific Reports التابعة لمجموعة Nature في أكتوبر 2025، واعتمدت على تقنيات الذكاء الاصطناعي التفسيري لتحليل أنماط التلوث الناتج عن النشاط البشري المتراكمة على مدى سنوات. وأظهرت النتائج أن مستويات النترات، رغم عدم تجاوزها الحد الأقصى المسموح به من قبل منظمة الصحة العالمية (50 ملغ/ل)، فإن القيم التي تراوحت بين 24 و31 ملغ/ل في مناطق معينة تمثل مؤشرات مبكرة على تحول الحوض نحو مستويات حرجة، خصوصاً في المناطق الزراعية المكثفة.
وأوضحت الدراسة أن الحوض الساحلي “الرمل” يعد خزانًا جوفيًا محوريًا لتزويد المنطقة بمياه الشرب والري، ويشكل دعامة أساسية للأنشطة الزراعية والاقتصادية، ما يجعل أي ارتفاع في مستويات التلوث له انعكاسات مباشرة على التنمية المحلية.
واستعان الفريق البحثي المغربي والدولي، الذي ضم جامعات وطنية ودولية مثل جامعة عبد المالك السعدي بتطوان، والمركز الوطني للطاقة والعلوم والتقنيات النووية بالرباط، والجامعة الأمريكية في الشارقة، وجامعة ميسيسيبي الأمريكية، بخوارزميات التعلم العميق TabNet وMLP-ANN لقراءة أنماط التلوث الخفية، مع دمج بيانات كيميائية وميكروبيولوجية وصور الأقمار الصناعية، لتحديد مساهمة كل عامل في انتشار التلوث.
وكشفت النتائج أن وجود الكوليفورم البرازي كان المؤشر الأقوى لانتشار النترات، بما يعادل 52% من التأثير، متقدماً على الموصلية الكهربائية بنسبة 48% والمادة العضوية بنسبة 19%، بينما كان تأثير الغطاء النباتي NDVI ضعيفًا نسبياً عند 9% والكلوريد 3% فقط، مما يشير إلى أن تداخل الصرف الصحي غير المعالج والمخلفات الزراعية يمثل الخطر المزدوج الأكبر على الموارد الجوفية.
وأشارت الدراسة إلى أن مناطق الغطاء الطبيعي في شمال وغرب الحوض لا تزال تعمل كـ”حواجز طبيعية” لتخفيف تغلغل النترات، في حين تشكل المناطق الوسطى والجنوبية الشرقية، القريبة من المزارع المكثفة والدواوير، نقاطًا ساخنة للتلوث الكيميائي والميكروبي.
وحذّر الباحثون من أن التحولات المناخية وتغير أنماط التساقطات قد تزيد من تراكم الملوثات، مؤكدين أن الاعتماد على المياه الجوفية لتعويض نقص المياه السطحية في فترات الجفاف قد يؤدي إلى استنزاف خزانات ساحلية وتحويلها إلى “مخازن ملوثة” يصعب استرجاعها.
كما أوصت الدراسة بضرورة الانتقال من إدارة تقليدية تعتمد على الرصد الجزئي ورد الفعل، إلى إدارة استباقية تعتمد على الذكاء الاصطناعي والخرائط الديناميكية، وربط بيانات وزارات الفلاحة والأحواض المائية ضمن منصة موحدة لمراقبة جودة المياه واتخاذ إجراءات سريعة عند تجاوز العتبات الحرجة.
وتختم الدراسة بالتأكيد على أن تجربة حوض “الرمل” تمثل نموذجًا لبناء استراتيجية وطنية لمراقبة المياه الجوفية بالمغرب، داعية إلى تعميم المنهجية على أحواض الغرب، سايس، الغطاس، ودرعة، ودمج الاستشعار عن بعد والمراقبة الميدانية والذكاء الاصطناعي في مقاربة واحدة لضمان استدامة الموارد المائية في البلاد

التعليقات مغلقة.