تعتبر منطقة الكاريبي حالياً مسرحاً لأخطر موجة تصعيد تشهدها منذ سنوات، حيث تتصاعد حدة التوتر بين الولايات المتحدة وفنزويلا في مشهد معقد تجتمع فيه الترتيبات العسكرية والانقسامات الإقليمية والأزمات الداخلية، مما يضع البلاد على حافة الانهيار.
في أغسطس 2025، بدأت الولايات المتحدة عملية بناء عسكري ضخم في جنوب الكاريبي تحت شعار مكافحة الاتجار بالمخدرات. وقد شهدت الفترة الماضية تعزيزات متتالية بلغت ذروتها في نوفمبر مع وصول مجموعة حاملة الطائرات “يو إس إس جيرالد فورد” إلى المنطقة، في إطار ما يُعرف بعملية “الرمح الجنوبي .
وتشكل هذه التعزيزات العسكرية أكبر حشد بحري أميركي في المنطقة منذ عقود، حيث ضُخت حاملة طائرات وعدة مدمرات صاروخية وغواصة نووية سريعة الهجوم، معظمها مجهز بصواريخ توماهوك التي يمكنها ضرب أهداف برية . كما نشرت الولايات المتحدة مقاتلات متطورة من طراز F-35 وطائرات بدون طيار من نوع MQ-9 Reaper في بورتوريكو .
تعلن الإدارة الأمريكية أن هدفها الأساسي هو مكافحة شبكات المخدرات، حيث وجهت اتهامات لنظام مادورو بالاتجار بالمخدرات وانتهاك المسار الديمقراطي. وفي هذا الإطار، صنفت واشنطن “كتائب الشمس” (Cartel de los Soles) التي تقول إن مادورو على رأسها كمنظمة إرهابية، كما ضاعفت مكافأة القبض عليه إلى 50 مليون دولار .
لكن المحللين يشككون في هذه الذرائع. فبرأي الأكاديمي الفنزويلي روبيرتو لوبيز سانشيز، فإن اتهام نظام مادورو بالاتجار بالمخدرات أو تزوير الانتخابات ليس السبب الحقيقي وراء التهديدات العسكرية الأمريكية، مشيراً إلى أن ترامب لم يظهر اهتماماً حقيقياً بالدفاع عن القضايا الديمقراطية حول العالم .
يكمن السبب الفعلي للتصعيد في سعي الإدارة الأمريكية لإعادة رسم موازين القوى في أميركا اللاتينية، في مواجهة تمدد النفوذ الصيني والروسي. فقد طورت العديد من دول المنطقة خلال العقود الأخيرة علاقات اقتصادية وثيقة مع قوى غير غربية مثل الصين وروسيا والهند وتركيا وإيران .
ويوضح سانشيز أن “خطاب نيكولاس مادورو المعادي للإمبريالية والغرب الموروث من الرئيس الراحل هوغو
تشير التقارير إلى أن إدارة ترامب تدرس خططاً لاستهداف منشآت نفطية فنزويلية والاستيلاء على حقول النفط، وهي خطوة من شأنها أن تضرب عصب الاقتصاد الفنزويلي الذي يعتمد بشكل أساسي على النفط .
ويعتبر بيدرو لوندونيو، القيادي السابق في جيش التحرير الوطني الكولومبي، أن هذه المناورات العسكرية تهدف إلى “الضغط على حكومة مادورو لمنح الولايات المتحدة شروطاً أفضل لاستغلال الموارد الطبيعية الموجودة في البلاد، التي تُمنح اليوم للصين وروسيا” .
تعاني فنزويلا من أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخها، حيث تجاوز التضخم 800% في ذروته، ووصلت نسبة الفقر إلى 95% من السكان، بينهم 77% في فقر مدقع . كما فر أكثر من 5.4 مليون فنزويلي من البلاد بسبب الأزمة .
وقد تفاقمت هذه الأزمة بسبب العقوبات الأمريكية التي مست القطاع النفطي الفنزويلي بشكل خاص، حيث انخفض الإنتاج النفطي من 2.4 مليون برميل يومياً في 2008 إلى أقل من 400 ألف برميل في 2020، قبل أن يتحسن قليلاً إلى 1.1 مليون برميل حالياً .
أعلن مادورو حالة الاستنفار القصوى، قائلاً إنه “سيعلن دستورياً قيام جمهورية مسلحة” إذا تعرضت بلاده لهجوم. كما جرى حشد أكثر من 4 مليون جندي في ميليشيا بوليفار .
وفي مناورة عسكرية حديثة، ظهر وزير الدفاع الفنزويلي فلاديمير بادريلو لوبيز بجانب نظام صواريخ أرض-جو في كاراكاس، مؤكداً أن “العدوان سيواجه بالوحدة الوطنية” .
حظي الحشد العسكري الأمريكي بدعم دبلوماسي ولوجستي من عدة دول في المنطقة، أبرزها :
ترينيداد وتوباغو أعلنت دعمها الكامل للعملية، وهددت بمنح الولايات المتحدة للدفاع إذا هاجمت فنزويلا غيانا.
غيانا أيدت الانتشار العسكري الأمريكي ووصفته كنهج “تعاوني ومتكامل” لمواجهة الجريمة المنظمة فيما السلفادور سمحت للطائرات العسكرية الأمريكية باستخدام قاعدة كومالابا، مما وفر موقعاً استراتيجياً لمراقبة المحيط الهادي. جمهورية الدومينيكان دخلت في شراكة مع وكالة مكافحة المخدرات الأمريكية لتنفيذ عمليات أوسع.
في المقابل، يقف نظاما كوبا ونيكاراغوا إلى جانب فنزويلا، بينما لم تعترف كل من البرازيل وكولومبيا بفوز مادورو في انتخابات 2024، وعرضتا الوساطة في الأزمة .
وأبدى الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا قلقه من احتمالات الحرب، قائلاً: “من غير المقبول اندلاع حرب وتكرار خطيئة ما جرى بين روسيا وأوكرانيا في منطقة الكاريبي” .
يستبعد مراقبون حدوث مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة وفنزويلا نظراً للفارق الهائل في القوة النارية بين الجانبين، والتكلفة المادية والسياسية الباهظة لأي غزو أمريكي .
ويشير سانشيز إلى أن “ترامب سعى إلى الظهور أمام العالم بمظهر الداعم للسلام في معظم النزاعات الدولية، وسيكون من المتناقض جداً أن يشن حرباً جديدة في فنزويلا” .
يبدو أن الهدف الأمريكي الأساسي هو ممارسة أقصى قدر من الضغط على القيادة العسكرية الفنزويلية لدفعها إلى الإطاحة بمادورو من الداخل، دون تدخل مباشر من الجيش الأمريكي .
كما تدرس الإدارة الأمريكية خيارات أخرى تشمل ضربات جوية محدودة على أهداف مرتبطة بالمخدرات، وتشديد العقوبات، ودعم المعارضة الفنزويلية .
قد تؤدي أي تصعيدات عسكرية إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في فنزويلا، وزيادة تدفق المهاجرين إلى الدول المجاورة، مما يزيد الأعباء على كولومبيا والبرازيل اللتين تستضيفان أصلاً ملايين الفنزويليين .
كما أن أي عمل عسكري أمريكي قد يخلق أزمة إقليمية شاملة، خاصة مع وجود جماعات مسلحة مستعدة لدعم مادورو، وفقاً لما أشار إليه لوندونيو .
تمثل الأزمة الحالية حول فنزويلا مشهداً معقداً تتداخل فيه المناورات الجيوسياسية والصراع على النفوذ والموارد، مع أزمة إنسانية طاحنة. ورغم أن حرباً شاملة تبدو غير مرجحة في الأفق القريب، إلا أن المنطقة تواجه لحظة حرجة قد تعيد رسم خريطة التحالفات والنفوذ في أميركا اللاتينية لأعوام قادمة.

التعليقات مغلقة.