يشهد قطاع الصحافة والإعلام في المغرب خلال السنوات الأخيرة توسعًا كبيرًا بفعل الطفرة الرقمية وتكاثر المنصّات الإخبارية الإلكترونية، وهو ما فتح الباب أمام عدد كبير من المراسلين والمتعاونين والمصورين لدخول الميدان الإعلامي. غير أنّ هذا التوسع لم يواكبه دائمًا احترامٌ للقوانين والضوابط المهنية، الأمر الذي خلق التباسًا وخللًا واضحين في استعمال لقب “صحفي”.
فقد بات من المألوف أن نرى على مواقع التواصل الاجتماعي بعض المراسلين والمتعاونين يقدّمون أنفسهم بصفة “صحفي”، رغم أن وضعهم الإداري أو القانوني لا يمنحهم هذا اللقب. كما لا يخلو المشهد من مصوّرين يُنسبون إلى الصحافة دون أن يكون لهم تكوين أو بطاقة مهنية، بينما يُفترض أن لقب “المصور الصحفي” يندرج ضمن مسارات مهنية واضحة تحكمها قواعد العمل الإعلامي.
هذا الخلط في المفاهيم المهنية خلق لبسًا لدى الرأي العام والمتدربين الجدد في مؤسسات الإعلام، ودفع عددًا من المهنيين إلى التحذير من ممارسات قد تُفقد المهنة هيبتها ومصداقيتها، وتُكرّس صورة سلبية حول الصحافة. فبين “الصحفي المهني” الذي يخضع لقانون الصحافة والنشر، ويحمل بطاقة مهنية، ويتحمل مسؤوليات أخلاقية وقانونية تجاه الجمهور، وبين “المراسل” الذي يعمل غالبًا وفق عقود تعاون محدودة، هناك فروق أساسية يجب احترامها وتوضيحها للرأي العام.
ولعل الأخطر، وفق مهنيين، هو استغلال بعض الدخلاء للقب الصحفي في ممارسات غير أخلاقية، من بينها التدخل في شؤون المؤسسات، أو الضغط على منتخبين ومسؤولين، أو استعمال “الصفة المزيفة” لغايات بعيدة عن العمل الصحفي النبيل، وهو ما يسيء بشكل مباشر لآلاف الصحفيين الجادّين الذين يشتغلون في الميدان وفق القواعد المهنية.
ومع التزايد المستمر لعدد المواقع الإلكترونية، وتنامي ظاهرة “شارات الصحافة” في الشارع والأنشطة الرسمية، بات من الضروري، حسب مراقبين، أن تتحرك السلطات الوصية والمجلس الوطني للصحافة والناشرين لتصحيح الوضع عبر:
ضبط تسميات المهن الإعلامية داخل المؤسسات
تفعيل مراقبة استعمال بطاقة الصحافة المهنية
مساءلة من ينتحل صفة صحفي لغير غرض مهني
تعزيز تكوين المتعاونين والمراسلين وتأهيلهم مهنيا
توعية الرأي العام بالتمييز بين صفة “صحفي” وباقي المهام المساندة
فالصحافة مهنة القواعد والمواثيق، ومكانتها لا تُبنى باللقب بل بالمسؤولية والالتزام. وعندما تختلط الرتب وتُستباح الألقاب، تصبح الفوضى هي العنوان، وتُفقد المهنة احترامها وتقديرها داخل المجتمع.
اليوم، صار الحفاظ على القيمة الاعتبارية للصحافة المغربية واجبًا مشتركًا بين المؤسسات المهنية، والسلطات التنظيمية، ورؤساء المقاولات الإعلامية، لتبقى مهنة الصحافة رافعة للوعي والمعرفة، وليبقى الصحفي منارةً للمصداقية، لا مجرد لقب يُعلّق في “البايو” على مواقع التواصل

التعليقات مغلقة.