بعد سنوات من الانحسار النسبي، تشهد القارة الأفريقية منذ عام 2020، وخاصة في منطقتي الساحل ووسط أفريقيا، موجة لافتة من الانقلابات العسكرية أعادت الظاهرة إلى واجهة المشهد السياسي. هذه العودة تطرح تساؤلات جوهرية حول أسباب هذا الارتداد، ومدى فشل المسارات الديمقراطية الهشة، وتقاطع العوامل الداخلية والخارجية في إعادة إنتاج الحكم العسكري. استطلعت الجزيرة نت آراء أربعة باحثين متخصصين لفهم دوافع هذه الظاهرة المتجددة.
يرى الباحثون أن صعود الانقلابات لا ينفصل عن تراجع المكاسب الديمقراطية. ويُجمع كل من محمد أنصيب (رئيس مؤسسة نماء أفريقيا) وسماعي الحمودي (أستاذ العلوم السياسية) وهارون بايه (باحث في الشؤون الأفريقية) على أن الممارسات التي تقوض التداول السلمي للسلطة، مثل التمديد للفترات الرئاسية وتعديل الدساتير، خلقت احتقاناً سياسياً وفقداناً للثقة في المؤسسات، مما فتح الباب أمام العسكر للتدخل كـ”خيار بديل” في لحظات الانسداد. ويؤكد أنصيب أن “هذا السلوك فتح المجال أمام العسكر لاستدعاء الجيوش مجددا”.
تلاحظ الموجة الحالية تركّزاً جغرافياً واضحاً في منطقة الساحل والصحراء ووسط أفريقيا، في حين تكاد تغيب عن شمال وجنوب القارة. يفسر الحمودي هذا التركيز بظاهرة “عدوى الانقلابات”، حيث يشجع نجاح انقلاب في دولة على تكرار التجربة في دول مجاورة تتشارك ذات التحديات الأمنية والاقتصادية الهشة. ويشير أنصيب إلى سمة جديدة تميز هذه الموجة، وهي أن قادة الانقلابات لم يعودوا حصراً على كبار الضباط، بل انضم إليهم ضباط من الرتب المتوسطة والدنيا، مما يعكس عمق الأزمة داخل بنية الدولة نفسها.
يُجمع المحللون على أن تفاقم التهديدات الأمنية وانتشار الجماعات المسلحة، خاصة بعد الفراغ الناتج عن سقوط النظام الليبي في 2011، قدّمت ذريعة قوية للجيوش للاستيلاء على السلطة في دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو. ويرى الحمودي أن المؤسسات العسكرية بررت تدخلها بفشل الحكومات المدنية في تحقيق الأمن الأساسي للمواطنين.
على الرغم من أن جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا زادتا الضغوط، إلا أن الباحثين يرون أن الأزمة الاقتصادية في أفريقيا أعمق وأقدم، كونها هيكلية مرتبطة بغياب السيادة الاقتصادية والاعتماد على الخارج. ويوضح هارون بايه أن تدهور شروط العيش والبطالة المرتفعة تآكل معها قدرة الدولة على تلبية الاحتياجات، فتعمل كـ”عامل مسرع للانفجار السياسي”. ويرى الشافعي ابتدون (باحث صومالي) أن هذه الأزمات زادت من هشاشة الاستقرار السياسي للحكومات الضعيفة أصلاً.
يشير الباحثون إلى أن القارة أصبحت ساحة لصراع نفوذ دولي، حيث يستغل لاعبون جدد مثل روسيا السخط الشعبي من النفوذ التقليدي للقوى الغربية (خاصة فرنسا) لتوسيع وجودهم. ويؤكد أنصيب أن هذا التنافس وفر “بيئة أقل ردعاً” للانقلابات. ومع ذلك، يتفقون على أن العوامل الداخلية تبقى الحاسمة، وأن التدخلات الخارجية تعمل في إطار الأزمات القائمة ولا تخلقها من عدم.
تخلص قراءات الخبراء إلى أن عودة الانقلابات هي نتيجة تراكمية لأزمات داخلية بنيوية في الحكم والاقتصاد والأمن، تفاعلت مع سياق دولي تنافسي. ويحذر هارون بايه من أن هذه الانقلابات ستظل احتمالاً قائماً طالما بقيت الأسباب العميقة قائمة. الحل الحقيقي، وفقاً للتحليل، يبدأ بإصلاح مؤسسي عميق، وبناء أنظمة ديمقراطية حقيقية قادرة على التداول السلمي للسلطة، وتحقيق الحكم الرشيد والعدالة الاجتماعية، بعيداً عن منطق القوة والعسكرة. دون ذلك، تبقى القارة عُرضة لدوامة من الاضطراب تعيد إنتاج نفسها.

التعليقات مغلقة.