في مشهد يكرر مأساة دارفور قبل عقدين من الزمن، عادت مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور بالسودان لتشهد فصولاً مروعة من العنف والإبادة، ما دفع مجلس الأمن الدولي إلى عقد جلسة طارئة ودفع قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) للاعتراف بوقوع “انتهاكات” من قبل قواته.
مجلس الأمن في جلسة طارئة
عقد مجلس الأمن الدولي جلسة طارئة الخميس في نيويورك، أعرب خلالها عن “قلقه العميق” إزاء التصعيد في السودان، بعد تقارير أممية تحدثت عن “إعدامات جماعية” و”انتهاكات واسعة” بحق المدنيين في مدينة الفاشر . ونقل البيان عن المجلس “بالغ القلق إزاء تصاعد العنف في مدينة الفاشر السودانية وما حولها” .
وصرح توم فليتشر، كبير مسؤولي الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، بأن المدينة “انزلقت إلى جحيم أكثر قتامة”، مشيراً إلى أن “نساءً وفتيات يتعرضن للاغتصاب، وأشخاصاً يُشوَّهون ويُقتلون في ظل إفلات تام من العقاب” .
اعتراف حميدتي ووعود بالتحقيق
في رد فعل على الضغوط الدولية، خرج قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) بمقطع فيديو قال فيه: “نعبر عن أسفنا لما وقع في مدينة الفاشر، ولكن الحرب فُرضت علينا” . وأضاف أنه “لاحظ وقوع انتهاكات في الفاشر”، مؤكداً أنه سيحاسب “أي جندي أو ضابط ارتكب جريمة” .
وتعهد حميدتي بتشكيل لجنة تحقيق في ما وقع بمدينة الفاشر، قائلاً: “طوينا صفحة الحرب في مدينة الفاشر، ونفتح الآن صفحة السلم” . وأعلن عن “السماح بحركة المدنيين في الفاشر بشكل فوري وكامل ودون عوائق” .
الفاشر.. من الحصار إلى المجزرة
تشكل الأحداث في الفاشر ذروة حصار دام 18 شهراً وهجمات متواصلة من قبل القوات المسلحة على المدينة . وقد أدى الحصار الطويل إلى ظروف إنسانية كارثية، حيث قالت منسقة الأمم المتحدة المقيمة في السودان دينيس براون إن “قوات الدعم السريع أبقت المدنيين محبوسين في مكان لا يستطيعون فيه الوصول إلى الغذاء، وهو ما يعادل استخدام التجويع كسلاح حرب” .
وبحسب شبكة أطباء السودان، خلال 3 أيام فقط، قتلت قوات الدعم السريع قرابة 1500 مدني في الفاشر، جميعهم تم تصفيتهم أثناء محاولتهم الخروج من المدينة هرباً من الاشتباكات التي بلغت ذروتها .
مستشفى الولادة السعودي.. مجزرة داخل الملاذ الآمن
من أكثر الأحداث إثارة للصدمة ما وقع في مستشفى الولادة السعودي، حيث أفادت التقارير بمقتل ما يقرب من 500 مريض ومرافقيهم . وأكدت منظمة الصحة العالمية عمليات القتل، واتهمت قوات الدعم السريع بأخذ 4 أطباء، وصيدلي وممرضة كرهائن، وطلب فدية تزيد عن 150,000 دولار مقابل إطلاق سراحهم .
وعلقت مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون أفريقيا مارثا بوبي بأن سقوط الفاشر يمثل “تحولاً كبيراً في الوضع الأمني”، محذرة من أن الآثار المترتبة على السودان والمنطقة الأوسع “عميقة” .
توثيق الجرائم.. مقاطع صادمة
قالت “هيومن رايتس ووتش” إن عشرات الفيديوهات المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي في الأيام الأخيرة تُظهر “قوات الدعم السريع” وهي تنفذ القتل غير القانوني وانتهاكات جسيمة أخرى بحق الفارين من الفاشر .
وفي أحد المقاطع المروعة، يظهر مقاتل من قوات الدعم السريع يرتدي وشاحاً أبيضاً وهو يجلس بجانب رجل يرتدي ملابس مدنية لديه ضمادة على أعلى ساقه. وبينما يتوسل الرجل طالباً الرحمة، يقول المقاتل: “لن أرحمك… نحن هنا لنقتل”. ثم يقف المقاتل ويطلق النار على الرجل خمس مرات .
تداعيات إقليمية ودولية
لم تقتصر ردود الفعل على مجلس الأمن، فقد نددت جامعة الدول العربية وكل من قطر والسعودية بارتكاب قوات الدعم السريع “انتهاكات” خلال هجومها على مدينة الفاشر . كما عبرت مصر عن “قلقها البالغ إزاء التطورات الأخيرة في السودان” .
وحذرت مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة من أن “النطاق الإقليمي للصراع آخذ في الاتساع”، موضحة أن “مخاطر حدوث فظائع جماعية، وعنف عرقي وانتهاكات أخرى للقانون الإنساني الدولي، بما في ذلك العنف الجنسي، لا تزال مرتفعة بشكل مثير للقلق” .
يأتي وعد حميدتي بالتحقيق في انتهاكات قواته في وقت يشير فيه المراقبون إلى أن تعهدات سابقة من حميدتي بالتحقيق في انتهاكات مماثلة خلال سيطرة قواته على ولاية الجزيرة لم تُنفذ حتى الآن .
وتجاهلت قوات الدعم السريع دعوات مجلس الأمن المتكررة لإنهاء حصارها للفاشر . كما لوحظ أن القوات تمتلك سجلاً حافلاً بارتكاب فظائع جماعية ضد المدنيين في أعقاب الانتصارات العسكرية، كما حدث في الجنينة وأرداماتا .
تفاقم الأزمة الإنسانية في المنطقة، حيث فرّ أكثر من 36 ألف مدني من الفاشر منذ الأحد، معظمهم إلى مدينة طويلة التي تؤوي أصلاً نحو 650 ألف نازح، وسط ظروف إنسانية “كارثية” . وتمتد تداعيات العنف إلى ولاية شمال كردفان المجاورة، حيث تحدثت الأمم المتحدة عن “قتال عنيف” تسبب في نزوح جديد ومقتل ما لا يقل عن 50 مدنياً في مدينة بارا .
في الوقت الذي نفت فيه قوات الدعم السريع نية فصل إقليم دارفور عن بقية السودان بعد السيطرة على الفاشر ، قال رئيس أركان الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان إن معسكره لا يزال “مصمماً على الاستمرار حتى نطهر هذه الأرض” .

التعليقات مغلقة.