تصدرت المخاوف من تأثير التشريعات الأوروبية الجديدة في مجال الاستدامة على الشركات العالمية، واجهة الأجندة الاقتصادية الخليجية، بعد أن أصدر مجلس التعاون الخليجي، في مطلع ديسمبر الجاري، بياناً موحداً غير مسبوق، أعرب فيه عن “قلقه البالغ” إزاء تشريعي الاتحاد الأوروبي: توجيه العناية الواجبة للاستدامة (CSRD) والإبلاغ عن استدامة الشركات (CS3D).
ويعتبر البيان الصادر عن الأمانة العامة للمجلس، أول رد رسمي موحد من دول الخليج الست، مشيراً إلى أن هذه التشريعات “قد تفرض معايير أوروبية على الشركات الخليجية”، بما قد يؤثر سلباً على “تنافسيتها واستمرارية أعمالها في السوق الأوروبي”. وجاء البيان في ظل مناقشات ما يعرف بحزمة “أومنيبوس” التنظيمية، التي تهدف إلى تسهيل تطبيق التشريعات الأوروبية على الشركات غير الأوروبية الناشطة في السوق المشتركة.
مطالب بالتعديل أو الإلغاء
وطالب المجلس، من خلال بيانه، بتعديل نطاق تطبيق هذه التشريعات أو إلغائها، وذلك على الرغم من مفاوضات سابقة ساهمت في تخفيف بعض متطلباتها. ويُظهر هذا الموقف الحازم تصعيداً في النهج الخليجي للدفاع عن مصالح شركاته، مع تحذير واضح من الآثار السلبية على سلاسل الإمداد، خاصة في قطاع الطاقة الحيوي.
خلافات جوهرية: أيديولوجية أم تنظيمية؟
وكشفت التصريحات لـ”الشرق” عن هوة في التصورات بين الجانبين. فمن جهة، يرى خبراء أوروبيون أن التشريعات “وليدة دوافع أيديولوجية” تهدف لفرض معايير الاتحاد الأوروبي على الشركات العالمية، معترفين بوجود صراع داخلي بين “التوجهات الأيديولوجية، والحاجات الاقتصادية” داخل الكتلة الأوروبية.
من جهة مقابلة، يقدر خبراء ومسؤولون خليجيون أن التشريعات المقترحة تفرض “أعباءً تنظيمية ومالية غير ضرورية” على الشركات، وتهدد تنافسيتها. وحذروا من أن “التخارج” من السوق الأوروبية قد يصبح خياراً مطروحاً للشركات الخليجية إذا استمرت هذه الضغوط، في خطوة قد تعيد تشكيل تدفقات التجارة والاستثمار.
يأتي هذا التحذير الخليجي في وقت يستعد فيه الاتحاد الأوروبي لتطبيق هذه التشريعات بشكل متدرج. فبعد اعتماد تشريع CS3D في 2024، من المقرر أن تنتهي الدول الأعضاء من دمجه في قوانينها الوطنية بحلول 26 يوليو 2027. ومن المتوقع أن تبدأ أولى مجموعات الشركات الكبيرة غير الأوروبية بالامتثال ابتداءً من ذلك التاريخ، مع توسيع النطاق التدريجي ليشمل شركات إضافية بين عامي 2028 و2029 حسب حجمها وإيراداتها.
ويبدو أن دول المجلس، التي تنسق دبلوماسياً مع حلفاء مثل الولايات المتحدة، تحاول استخدام الوقت المتبقي قبل التنفيذ الكامل، للضغط من أجل مراجعات تضع في الاعتبار تكاليف الامتثال والقدرات التنافسية للشركات خارج الحدود الأوروبية، في معركة قد تحدد معالم العلاقة الاقتصادية بين المنطقتين لسنوات قادمة.

التعليقات مغلقة.