حطاب الساعيد
أثار مقترح حزب الاستقلال الداعي إلى حصر الترحال السياسي ومنع المنتخبين من تغيير انتماءاتهم الحزبية خلال مدة انتدابهم موجة واسعة من الجدل السياسي والدستوري. فبينما يروج الحزب لهذا المقترح باعتباره خطوة إصلاحية لحماية المشهد السياسي من العبث، يرى فقهاء القانون الدستوري أن هذه المبادرة تفتقر إلى الشرعية الدستورية بل وتتناقض مع نصوص وروح دستور 2011.
فالدستور المغربي جاء واضحا في تكريس حرية الانتماء الحزبي والانسحاب منه ونص في الفصل 61 على تجريد كل عضو من صفته البرلمانية إذا تخلى عن الحزب الذي ترشح باسمه، ما يعني أن المشرع الدستوري ضبط الظاهرة بشكل متوازن، وعاقب على التخلي بعد الفوز بالمقعد لكنه لم يمنع مبدئيا الانتقال أو الانسحاب من الأحزاب. ومن هنا فإن أي محاولة لإضافة قيود جديدة تعتبر مسا بحق دستوري أصيل وتحمل في طياتها شبهة التضييق على التعددية السياسية.
المفارقة أن حزب الاستقلال نفسه كان في مراحل سابقة من أبرز المستفيدين من الترحال السياسي حيث استقطب عددا من البرلمانيين والمنتخبين الذين غادروا أحزابهم الأصلية للالتحاق به، وهو ما يجعل مقترحه الحالي محاطا بشبهة الانتهازية السياسية أكثر من كونه مبادرة إصلاحية حقيقية. والواقع أن الأزمة لا تكمن في انتقال المنتخبين من حزب إلى آخر، بل في هشاشة البنية الداخلية للأحزاب السياسية، وضعف الديمقراطية الداخلية، واستمرار هيمنة القيادات التقليدية وغياب آليات المحاسبة والشفافية.
إن الحلول التي يمكن أن تعالج الظاهرة بعمق لا تتمثل في سن قوانين مقيدة للحريات ومخالفة للدستور، وإنما في تجديد النخب وإرساء قواعد شفافة للتزكيات، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتشجيع ثقافة الانتماء المبني على البرامج والالتزام السياسي. أما المقترحات الترقيعية التي تتعارض مع المرجعية الدستورية فلن تكون سوى محاولة لإخفاء أعطاب حزبية عميقة، وستظل بعيدة عن تقديم أجوبة حقيقية لأزمة الثقة التي يعيشها المشهد السياسي المغربي.

التعليقات مغلقة.