لا يبدأ السفر دائما من محطة القطار… أحيانا يبدأ من ضيق العيش الذي قد يتسع بفسحة أمل، من حلم صغير لم يجد مكانه في مدينة أنهكها طول الانتظار.
في قطار ينطلق من فاس نحو سلا، تجلس الأجساد متقاربة، لكن الأرواح متعبة شاردة، كل واحدة تحمل قصتها بصمت ناطق، العيون جاحظة رغم ثقل النوم والتعب، لا ضحكات عالية ولا أحاديث طويلة.. فقط عيون تحدق في الفراغ، وأيد تمسك بحقائب خفيفة، كأن أصحابها تعلموا مع الوقت ألا يحملوا أكثر مما يحتمل القلب.. أحلام مؤجلة ووجوه أنهكها التنقل بحثا عن فرصة أو علاج أو مستقبل أفضل.
القطار شبه ممتلئ صمت ثقيل يخترقه أحيانا رنين هاتف أو صوت طفل، بعض الركاب يحدقون في النوافذ، آخرون غارقون في شاشاتهم، بينما يسرق التعب ملامح الجميع.. هنا، لا أحد يسافر للمتعة… الجميع في مهمة صعبة.
شاب في العشرينات، يحمل حقيبة صغيرة، يقول وهو يعدل جلسته:
“غادي لسلا نقلب على خدمة… ففاس ما بقى والو ما يتدار. كل مرة كنقول هادي آخر رحلة، ولكن كنرجع نلقى راسي فالقطار من جديد.”
غير بعيد عنه، تجلس أم برفقة طفلها، تمسك بيده بقوة وكأنها تخشى أن يضيع وسط الزحام.. تخبرنا بصوت منخفض أنها متجهة إلى مستشفى بالرباط لإجراء فحوصات، مضيفة:
“السفر ولى عادة، ولكن ملي كيتعلق الأمر بولدك، كتنسى التعب كامل وكتنسى حتى راسك.”
وفي المقعد المقابل، طالبة جامعية تراجع دروسها على عجل. تقطع الرحلة أسبوعيا بين فاس وسلا، تقول:
“كنقرا هنا وساكنة ففاس… الطريق طويل، ولكن ما عندي اختيار.. كنحاول نستغل الوقت فالمراجعة، حيث ساعات القطار ولات جزء من حياتي.”
بين محطة وأخرى، تتكرر المشاهد نفسها: عمال، طلبة، نساء، شباب… كل واحد يحمل قصته في صمت ناطق.. القاسم المشترك بينهم هو الإحساس بالضغط، وبأن التنقل بين المدن صار ضرورة مفروضة، لا اختيارا حرا.
رحلة فاس سلا، قد تبدو قصيرة على الخريطة، لكنها طويلة في تفاصيلها الإنسانية.. فهي تختصر واقعا اجتماعيا واقتصاديا يدفع الآلاف إلى شد الرحال يوميا، بحثا عن عمل مفقود أو دراسة، أو خدمات صحية لا تتوفر في مدنهم.
عند الوصول إلى محطة سلا، ينزل الركاب تباعا.. تتفرق الوجوه في اتجاهات مختلفة، لكن التعب يبقى معلقا في العربات، و يبقى الانتظار واحد.. ثم ينتهي مشوار القطار، غير أن رحلة الحياة تستمر وهي محملة بالصبر، وبأمل صغير في أن تكون هذه الرحلة بداية تغيير، لا مجرد محطة أخرى في طريق طويل.

التعليقات مغلقة.