نساء الحرب… ضحايا العنف الصامت في سورية
بقلم: الأستاذ محمد عيني
تدفع النساء في سورية، كما في كل مناطق الصراع الطويل، الثمن الأثقل للحرب رغم أنهن غالباً لا يحملن السلاح. فواقعهن الاجتماعي يجعلهن في الصفوف الأولى لمواجهة تبعات الكارثة: فقدان الأزواج والأبناء، التهجير، انعدام الخدمات الأساسية، وتحوّل الحياة اليومية إلى سلسلة من الخسارات المتلاحقة. ومع امتداد سنوات الحرب، تراكمت على كاهلهن أشكال متعددة من العنف، بعضها ظاهر وبعضها خفيّ، لكنها جميعاً تهدّد مستقبل الأسرة والمجتمع السوري.
عنف تُشعله الحرب… وأجساد النساء ساحته
يُعدّ العنف الجنسي من أشد المآسي التي تتعرض لها النساء، إذ يُستخدم الاغتصاب كسلاح لتدمير الخصم عبر إذلال نسائه. وتشكّل شبكات الاتجار بالبشر والدعارة القسرية نموذجاً آخر للعنف الذي يضرب الفتيات والنساء. حتى الدعارة الناتجة عن الحاجة المادية لم تعد تُحاكم أخلاقياً بقدر ما يُنظر إليها كعلامة دامغة على الانهيار الاجتماعي والاقتصادي. وتحت هذا الإطار أيضاً يندرج تزويج القاصرات مقابل المال، كاستراتيجية مؤلمة للتخلّص من عبء الإعالة.
عنف اقتصادي يوسّع الفقر… ويضيّق الخيارات
تفاقم الجوع والبطالة والغلاء جعل النساء المعيلات يتحملن مسؤولية النجاة وحدهن. فقد دفعت الظروف كثيراً منهن إلى اقتحام مهن كانت حكراً على الرجال، بينما وجدت أخريات أنفسهن ضحايا للاستغلال في أعمال هامشية مُهينة، بأجور لا تكفي لسدّ الرمق. ومع ارتفاع تكاليف المعيشة، توسّع تزويج القاصرات بحجة “تخفيف النفقات”، فيما تحوّلت النساء إلى الحلقة الأضعف في معركة البقاء.
عنف اجتماعي وأسري يعمّق الجراح
الازدحام السكني، الضغوط النفسية، وانعدام الحماية، كلها عوامل أدت إلى مشاحنات أسرية متواصلة وارتفاع غير مسبوق في معدلات الطلاق. وفي كثير من الحالات تُحرم الأرامل من ميراث الأزواج أو راتبهم بسبب استبداد بعض الأقارب الذكور تحت يافطة “الوصاية الشرعية”. كما تُرفض أحياناً عودة النساء المختطفات، ولو كنّ ضحايا بلا ذنب، فيُواجهن العار والنبذ والطلاق، ما يضيف ظلماً جديداً إلى جراحهن.
عنف قانوني يفاقم المأساة
القانون السوري، في كثير من جوانبه، لم يواكب آثار الحرب. فالتساهل في زواج القاصرات وتعدد الزوجات بحجة الظروف الراهنة فتح أبواباً جديدة للمعاناة. لكن الأخطر هو رفض تسجيل الأطفال المولودين نتيجة الاغتصاب باسم الأم، ما يؤدي إلى ظهور فئة من مجهولي النسب يعيشون بلا هوية، فتتحمل الأم وحدها وصمةً لا ذنب لها فيها.
عنف نفسي… الندبة الأعمق
تعيش النساء تحت وطأة صدمات متلاحقة: فقدان الأحبة، الخوف المستمر، الاغتصاب، الفقر، والنبذ الاجتماعي. هذا الضغط الهائل ينتج عنه اكتئاب، عزلة، شعور بالعار والذنب، واضطرابات سلوكية تمتد لسنوات. ومن دون دعم نفسي واجتماعي منظّم، تتسع الكارثة يوماً بعد آخر.
ضرورة حماية النساء… وتفعيل القرار 1325
وبمناسبة اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة، يصبح من الضروري التأكيد على تطبيق القانون الدولي والاتفاقيات التي تحمي النساء في مناطق النزاع. كما يجب إدماجهن في صنع القرارات وفي محادثات السلام، وفق ما ينص عليه القرار الأممي 1325، الذي يمثل إطاراً أساسياً لإعادة بناء المجتمعات بعد الحرب.
فلا يمكن لسورية أن تتعافى بينما تظل نساؤها يواجهن هذا القدر من العنف، بلا حماية ولا إنصاف

التعليقات مغلقة.