أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

يُسقط المال صداقات ويكشف أوهام الأخوّة

بقلم:محمد عيدني

يُسقط المال صداقات ويكشف أوهام الأخوّة
بقلم:محمد عيدني
يفضح المال، في كثير من الحالات، حقيقة العلاقات التي نُلبسها ثوب الصداقة والأخوّة، إذ يتحول من مجرد وسيلة للعيش إلى معيار خفي للحكم على الأشخاص وتقييم قيمتهم داخل محيطهم الاجتماعي. وما إن يعتقد أحدهم أن صديقه بدأ يحقق مكاسب مادية أو أصبح في وضع أفضل، حتى تتبدل المواقف وتتغير النوايا، دون وقائع مؤكدة أو معطيات واضحة.
تبدأ هذه التحولات غالبًا بشكل غير مباشر؛ فتور في التواصل، تغيّر في نبرة الحديث، غياب غير مبرر، ثم انسحاب صامت يقطع العلاقة دون نقاش أو توضيح. وهو سلوك يعكس ضعفًا في ثقافة الحوار، ويكشف أن بعض العلاقات لم تكن قائمة على أسس متينة بقدر ما كانت محكومة بتوازنات هشة سرعان ما تنهار.
ولا يمكن النظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها مجرد خيبات شخصية، بل هي مؤشر اجتماعي مقلق على تغلغل منطق المصلحة داخل النسيج العلائقي. ففي زمن تتسارع فيه التحولات الاقتصادية وتزداد فيه الضغوط المعيشية، بات المال حاضرًا بقوة في اللاوعي الجمعي، مؤثرًا في طريقة النظر إلى الآخر، وفي شكل العلاقات التي تجمع الأفراد.
الأخطر في هذا السياق هو انتشار ثقافة الظن وسوء التقدير، حيث تُبنى الأحكام على افتراضات لا أساس لها، وتُتخذ القرارات المصيرية—كقطع الصداقة—دون محاولة الفهم أو التحقق. وهنا يتحول النجاح، بدل أن يكون حافزًا إيجابيًا، إلى مصدر توتر وحسد، وسببًا في تصدع علاقات كان يُفترض أنها قائمة على الدعم المتبادل.
ومن زاوية مجتمعية، تساهم هذه السلوكيات في إضعاف الثقة داخل المجتمع، وتعزز الفردانية السلبية، حيث ينغلق كل شخص على ذاته خشية الغيرة أو سوء الظن. كما تؤدي إلى تراجع قيم التضامن والتكافل، التي كانت تشكل ركيزة أساسية في العلاقات الاجتماعية التقليدية.
إن الصداقة الحقيقية، في جوهرها، لا تُختبر في أوقات الضيق فقط، بل في لحظات الفرج أيضًا. فهي لا تخشى نجاح الآخر، ولا ترى في تحسّن وضعه تهديدًا، بل تعتبره امتدادًا للنجاح المشترك. أما العلاقات التي تتصدع أمام وهم المال، فهي علاقات ظرفية لم تصمد أمام أول امتحان حقيقي.
وفي ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة التفكير في منظومة القيم التي تحكم علاقاتنا، وإلى ترسيخ ثقافة تقوم على الوضوح، الصراحة، وتقبّل اختلاف المسارات. فليس كل تحسّن مادي مدعاة للريبة، وليس كل صمت انسحابًا بريئًا.
وفي النهاية، قد يكون فقدان صديق بسبب المال تجربة مؤلمة، لكنها في الوقت نفسه لحظة كاشفة، تُعيد ترتيب الأولويات، وتُفرز العلاقات الحقيقية عن تلك التي كانت قائمة على الوهم. فالمال يغيّر المواقع، لكنه لا يصنع القيم، والصداقة الصادقة تبقى امتحانًا للأخلاق قبل أن تكون اختبارًا للظروف

التعليقات مغلقة.