أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

إسبانيا.. ارتفاع التضخم إلى 4.9% يعمق أزمة القدرة الشرائية ويزيد أعباء الأسر

جريدة أصوات

ارتفاع التضخم إلى 4.9 في المائة يضع القدرة الشرائية للأسر الإسبانية أمام تحديات جديدة.. والسكن والطاقة يتصدران المخاوف الاجتماعية
بقلم: الأستاذ محمد عيدني – فاس
كشفت المؤشرات الاقتصادية الإسبانية الصادرة نهاية أكتوبر 2026 عن مفارقة لافتة في أداء الاقتصاد، تتمثل في استمرار النمو الاقتصادي مقابل بقاء تكاليف المعيشة عند مستويات مرتفعة، وهو ما يعيد النقاش حول مدى قدرة السياسات الحكومية على تحويل المؤشرات الإيجابية إلى تحسن ملموس في الحياة اليومية للمواطنين.
ووفق المعطيات الأولية الصادرة عن المعهد الوطني الإسباني للإحصاء، سجل الاقتصاد الإسباني نمواً بنسبة 0.6 في المائة خلال الفصل الثالث من السنة الجارية، بينما بلغ التضخم السنوي 4.9 في المائة خلال أكتوبر، وهي النسبة نفسها المسجلة خلال شهر شتنبر.
نمو اقتصادي لا يلغي الضغوط الاجتماعية
يعكس نمو الناتج الداخلي الخام استمرار حيوية الاقتصاد الإسباني، مدعوماً بالطلب الداخلي والاستهلاك والإنفاق العمومي، إلى جانب الأداء الإيجابي لقطاعات التجارة والخدمات والسياحة.
غير أن هذا النمو لا يعني بالضرورة تحسناً متساوياً في الأوضاع المعيشية لجميع الفئات الاجتماعية، خصوصاً الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط، التي تواجه ضغوطاً متزايدة بسبب ارتفاع فواتير الطاقة والسكن والنفقات اليومية.
وتبرز هذه المفارقة الفرق بين المؤشرات الاقتصادية الكلية التي تقيس أداء الاقتصاد الوطني، والمؤشرات الاجتماعية التي تعكس مستوى الرفاه والقدرة الشرائية للمواطنين.
التضخم والطاقة.. الحلقة الأكثر حساسية
تشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء إلى أن أسعار الاستهلاك واصلت ارتفاعها السنوي بنسبة 4.9 في المائة، فيما استقر التضخم الأساسي عند 3.1 في المائة.
ويرتبط استمرار الضغوط التضخمية، بحسب التحليلات الاقتصادية المنشورة، بارتفاع تكاليف الغاز والطاقة وتأثير التوترات الجيوسياسية في الأسواق الدولية.
وتكشف هذه المعطيات أن الإجراءات الحكومية الرامية إلى تخفيف العبء عن المستهلكين لم تتمكن بعد من إنهاء الضغوط على الأسعار، رغم مساهمتها في الحد من بعض الزيادات المرتبطة بالمحروقات.
أزمة السكن والرهون العقارية تزيد قلق الأسر
إلى جانب الطاقة والمواد الاستهلاكية، تظل أزمة السكن واحدة من أبرز التحديات الاجتماعية في إسبانيا.
وتشير التقارير الاقتصادية إلى أن ارتفاع تكاليف التمويل العقاري يضيف أعباء جديدة على الأسر التي تعتمد على القروض لاقتناء مساكنها، خاصة مع استمرار مؤشر Euribor فوق مستوى 3 في المائة، بعدما أنهى أكتوبر عند 3.239 في المائة.
ويطرح هذا الوضع سؤالاً حول قدرة السياسات العمومية على تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار العقاري وضمان الحق في السكن بأسعار تتناسب مع القدرة الشرائية للمواطنين.
الحكومة أمام اختبار السياسات الاجتماعية
تضع هذه المؤشرات الحكومة الإسبانية أمام مسؤولية مزدوجة: الحفاظ على وتيرة النمو الاقتصادي، وفي الوقت نفسه حماية الفئات الأكثر تأثراً بارتفاع تكاليف المعيشة.
فنجاح السياسات الاقتصادية لا يقاس فقط بحجم الناتج الداخلي أو معدلات النمو، وإنما أيضاً بمدى انعكاسها على الأجور والتشغيل والسكن والخدمات الأساسية.
كما أن استمرار التضخم يجعل ملف القدرة الشرائية موضوعاً سياسياً واجتماعياً مركزياً، خصوصاً في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
متى يتحول النمو إلى رفاه اجتماعي؟
تؤكد التجربة الإسبانية أن تحقيق معدلات نمو إيجابية لا يكفي وحده لضمان الاستقرار الاجتماعي، ما لم يصاحبه توزيع أكثر توازناً لمكاسب النمو، وسياسات قادرة على الحد من الفوارق وتحسين مستوى المعيشة.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام صناع القرار لا يتمثل فقط في المحافظة على المؤشرات الاقتصادية الإيجابية، بل في ضمان وصول آثارها إلى الأسر والعمال والشباب والفئات الهشة.
خلاصة المقال: الاقتصاد الإسباني يواصل النمو، لكن معركة القدرة الشرائية لم تحسم بعد. وبين أرقام الناتج الداخلي وضغوط الفواتير اليومية، يبقى المواطن المقياس الحقيقي لنجاح السياسات الاقتصادية والاجتماعية. ا

التعليقات مغلقة.