أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

استراتيجيات التغيير بين الداخل الإيراني والصدى الدولي

د. سامي خاطرأكاديمي وأستاذ جامعي

يأتي اقتراب الذكرى الخامسة والأربعين لما يُعرف بـ”المقاومة الثورية الشاملة” في وقت يواجه فيه نظام الملالي الحاكم في إيران تحديات وجودية تتجاوز في جوهرها الأزمات الاقتصادية الآنية؛ إذ تشير التقارير الميدانية المستقلة الصادرة عن مراقبين دوليين ومنظمات حقوقية إلى أن حالة الاحتقان الشعبي في مدن مثل طهران، وأصفهان ومشهد لم تعد مجرد ردود فعل عفوية على سياسات النظام بل تحولت إلى بنية تنظيمية خفية تتحدى القبضة الأمنية.

إن استمرار الأنشطة الميدانية رغم التكلفة البشرية والأمنية الباهظة يعكس فشل استراتيجية “القمع القائم على الترهيب” التي انتهجتها المؤسسة الحاكمة عبر عقود.. في التحليل الاستراتيجي يُعد هذا التحدي مؤشراً على انعدام الشرعية السياسية للنظام حيث لم تعد المشانق أو التضييق الأمني كافيين لكسر إرادة التغيير في مجتمع أثبتت وقائع السنوات الخمس الأخيرة أنه تجاوز سقف المطالب الإصلاحية الترقيعية.

تمثل التظاهرة المزمع إقامتها في باريس يوم العشرين من يونيو حلقة وصل في سلسلة الاستراتيجية المزدوجة التي تربط نضال الداخل بالدبلوماسية الخارجية.. والتجمعات في العواصم الغربية ليست مجرد فعاليات رمزية بل هي أدوات لـ تدويل القضية الإيرانية ونقل معاناة الشارع إلى أروقة صنع القرار الدولي، ومن منظور سياسي تهدف هذه التحركات إلى سحب ورقة الادعاء بـ “الاستقرار الداخلي” التي يلوح بها النظام في مفاوضاته مع القوى الدولية.. وعندما يلتقي صوت الشارع الإيراني في الداخل بدعم النخب الحقوقية والسياسية الدولية فإن ذلك يرفع تكلفة استمرار النظام في سياساته القمعية ويضع المجتمع الدولي أمام استحقاق أخلاقي وسياسي يتجاوز لغة المصالح التقليدية.

تكمن الأهمية التحليلية في الشعار الوطني العابر للمناطقية والفئوية منها شعار “الموت للمستبد سواء كان الشاه أو المرشد”.. هذا الطرح السياسي يشير إلى وعي متقدم لدى الحراكات الشعبية هادفاً إلى تحصين الثورة من الارتداد إلى أنماط الاستبداد التاريخية (النظام البهلوي السابق) أو التمسك بالقالب الثيوقراطي الراهن (ولاية الفقيه)؛ هذه الرؤية تعكس نضجاً في الطرح السياسي يركز على بناء نظام جمهوري ديمقراطي يستند إلى السيادة الشعبية.

إن هذا النوع من التغيير الذي يستهدف البنية التحتية للاستبداد لا الأشخاص فحسب يجعل من المقاومة المنظمة ركيزة أساسية في أي معادلة مستقبلية لـ التحول الديمقراطي في إيران.

تؤكد المعطيات الاقتصادية من تضخم متسارع وتآكل في القدرة الشرائية أن النظام فقد القدرة على تقديم “عقد اجتماعي” يعوض به المواطنين عن غياب الحريات السياسية، ومن منظور تحليلي أدى هذا العجز إلى تآكل حتى في القاعدة الاجتماعية الموالية للنظام مما دفع قطاعات أوسع من الفئات الوسطى والمهنية للانضمام إلى صفوف المعارضة.

إن اتساع الرقعة الجغرافية للاحتجاجات يعقد مهمة الأجهزة الأمنية إذ لم تعد الاحتجاجات محصورة في مراكز ثقل معينة بل أصبحت حالة سيالة تشمل الأطراف والمركز على حد سواء مما يستنزف الموارد الأمنية ويشتت التمركز العسكري.

إن التزامن بين النشاط الميداني في الداخل الإيراني والحراك الدولي في باريس يؤشر إلى انتقال الصراع من مرحلة “التنفيس عن الغضب” إلى مرحلة “تنسيق العمل الاستراتيجي”، وبغض النظر عن سيناريوهات المستقبل القريب فإن النتائج التي أفرزتها هذه المسارات تؤكد أن النظام دخل في مرحلة الدفاع المستميت عن الوجود في حين انتقلت المعارضة إلى مرحلة بناء البديل السياسي، وإن معركة التغيير في إيران اليوم لم تعد قضية داخلية معزولة بل هي متغير دولي يتشكل بفعل تراكم التضحيات الداخلية والضغط الاستراتيجي الخارجي مما يجعل من المستقبل الإيراني صفحة مفتوحة على كافة الاحتمالات.

التعليقات مغلقة.