الحرب في أوكرانيا: تجميد النزاع أقرب السيناريوهات المستقبلية
بقلم: الأستاذ محمد عيدني – فاس
تتواصل الحرب في أوكرانيا بوتيرة بطيئة ومكلفة على الجانبين، في مشهد يذكرنا بالحروب العالمية السابقة من حيث الخسائر البشرية والمادية، دون أن يلوح في الأفق احتمال حسم الصراع في وقت قريب.
بدأ الغزو الروسي في فبراير/شباط 2022 بهدف سريع لاحتلال كييف وإخضاع أوكرانيا، لكن مقاومة القوات الأوكرانية المستمرة والدعم الاستخباراتي الغربي أجبر روسيا على إعادة صياغة استراتيجيتها، مع التركيز على شرق وجنوب البلاد. روسيا تقول إنها سيطرت منذ بداية العام الحالي على نحو 5 آلاف كيلومتر مربع إضافية، بينما ترى أوكرانيا أن لهذه الأراضي أهمية محدودة إستراتيجياً.
تكمن أهمية أوكرانيا بالنسبة لموسكو في موقعها الجغرافي، وثرواتها، وإطلالتها على البحر الأسود، إضافة إلى دورها كحاجز للغرب ضد النفوذ الروسي المباشر. ومن جهة أخرى، تعتبر أوكرانيا بالنسبة للغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، خط الدفاع الأول عن النظام الأوروبي القائم على الديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق الحر.
الحرب مستمرة منذ ما يقرب من أربع سنوات، مخلفة أعداداً هائلة من الضحايا والجرحى من كلا الطرفين، وتدميراً واسعاً في البنى التحتية العسكرية، مع إرهاق الاقتصاد الروسي والعقوبات الغربية المستمرة التي تقلص صادراته النفطية والغازية، وتحد من قدرة موسكو على المناورة.
في المقابل، تتواصل التوترات داخل حلفاء الغرب أنفسهم، حيث يشعر الاتحاد الأوروبي أحياناً بالتهميش من قبل الولايات المتحدة، خصوصاً في ما يتعلق بخطط الطاقة وأسلحة الدعم لأوكرانيا، ما يعقد التنسيق الإستراتيجي بين الأطراف الغربية.
السيناريو الأقرب حالياً هو تجميد النزاع:
-
روسيا تحافظ على الأراضي التي سيطرت عليها، بما فيها المواقع الاستراتيجية على البحر الأسود.
-
أوكرانيا والغرب يضمنان عدم سقوط كييف، مع استمرار الدعم العسكري والاستخباراتي.
-
الحوار الدولي يفرض نفسه كوسيط لضمان وقف الأعمال العدائية الكبيرة، على غرار نماذج الوساطة السابقة في مناطق النزاعات الدولية.
ويبقى الضغط العسكري والدبلوماسي قائماً، خاصة مع استمرار النقاش حول تزويد أوكرانيا بأسلحة متقدمة، مثل صواريخ “التوماهوك”، التي قد تزيد من تعقيد الموقف الروسي، لكنها لا تبدو قابلة للتطبيق العملي في المدى القريب بسبب محدودية القدرة اللوجستية الأوكرانية.
في هذا السياق، يبدو أن الحل الأمثل للطرفين هو سلام هلامي قائم على تجميد النزاع، يتيح للأطراف الحفاظ على مصالحها الإستراتيجية، ويجنب المنطقة تصعيداً واسع النطاق قد يتحول إلى حرب طويلة ومرهقة.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبقى الحوار الدولي، والوساطة من قبل الهيئات الأممية والدول الكبرى، المفتاح لضمان عدم انفجار الوضع إلى صراع أوسع، مع الإشارة إلى أن هذا السيناريو يوازي ما حدث في مناطق نزاع أخرى مثل الجولان والكوريتين، مع الفارق الكبير في طبيعة النزاع والأطراف المتورطة.

التعليقات مغلقة.