أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

الحريديم واليمين الإسرائيلي: ديناميات شراكة متغيرة

الحريديم واليمين الإسرائيلي: ديناميات شراكة متغيرة

شهدت السياسة الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة تغيرات عميقة جعلت المشهد أكثر اضطرابًا مما كان عليه في عقود ماضية. فقد تبدلت المعادلات التقليدية التي كانت واضحة منذ تأسيس الدولة، والتي كانت تقوم على التوازن بين يمين قومي متشدد وحريدية حذرة من الدولة الحديثة، إلى مشهد أكثر تعقيدًا تتداخل فيه الحسابات الانتخابية مع المخاوف الوجودية، وتتقاطع فيه الهوية الدينية مع المصلحة السياسية.

إن متابعة تطورات علاقة الأحزاب الحريدية باليمين الإسرائيلي تكشف أن هذه العلاقة لم تعد مجرد تقاطع مصالح مؤقت، بل أصبحت بنية سياسية مؤثرة، تسهم في إعادة تشكيل النظام السياسي ذاته في إسرائيل. فمع صعود الأحزاب الدينية وتزايد حضورها الاجتماعي والسياسي، تحولت الحركات الحريدية من موقع “الشريك المتردد” إلى “الركن الثابت” داخل الكتلة اليمينية، وهو ما يعكس قوة تأثيرها وقدرتها على تحديد مسارات التحالفات السياسية.

الجذور التاريخية للعلاقة بين الحريديم والدولة الإسرائيلية

منذ تأسيس إسرائيل، كانت العلاقة بين الأحزاب الحريدية والدولة علاقة شد وجذب معقدة. فقد نشأت الأحزاب الحريدية مثل أغودات يسرائيل وديغل هتوراه على أسس دينية ترى في الدولة مشروعًا دنيويًا قد يهدد استقلالها الثقافي والروحي.

خلال العقود الأولى من عمر الدولة، وخصوصًا في ظل هيمنة حزب ماباي الاشتراكي على الحكومات، كانت المشاركة الحريدية أقرب إلى “التعايش الحذر” منها إلى الشراكة الفعلية، إذ حرصت الجماعات الحريدية على حماية فضائها الاجتماعي وتعليمها الخاص دون الانغماس الكامل في النظام السياسي. ورغم ذلك، أدركت هذه الحركات أهمية الدولة كإطار لا غنى عنه لضمان مصالحها، بما يشمل التمويل للمؤسسات التعليمية، والحفاظ على أنماط الحياة الخاصة بالحريديم، وتحديد موقعهم الاجتماعي داخل المجتمع اليهودي الأكبر.

التحولات الحديثة: من الشريك المتردد إلى الركن الثابت

مع مرور الوقت، شهدت العلاقات بين الحريديم واليمين الإسرائيلي تحولات ملموسة. فقد أصبح للكتلة الحريدية دور أكبر في دعم الحكومة اليمينية، ليس فقط لأسباب انتخابية، بل أيضًا لتأمين حماية مصالحها طويلة المدى. وتظهر هذه الديناميات بشكل واضح في الانتخابات الأخيرة، حيث أصبح تواجد الحريديم في التحالفات الحكومية عاملاً حاسمًا في تشكيل الأغلبية البرلمانية وضمان استقرارها.

كما أن السياسة الداخلية للأحزاب الحريدية تطورت من موقف متحفظ ومتردد إلى دور نشط يفرض شروطه على اليمين، خصوصًا فيما يتعلق بالتعليم الديني، والخدمات الاجتماعية، والقوانين المتعلقة بالحياة اليومية للمجتمع الحريدي. وباتت هذه الحركة قوة ضغط ذات تأثير مباشر على سياسات الحكومة، بما يجعلها أكثر من مجرد شريك تكميلي، بل أحد الأعمدة التي يقوم عليها اليمين الإسرائيلي المعاصر.

تحولات العلاقة بين الحريديم واليمين الإسرائيلي تعكس ديناميات أعمق من مجرد تحالفات سياسية عابرة. فهي تعكس صراعًا مستمرًا بين الهوية والمصلحة، بين القيم الدينية والضرورات السياسية، وبين التقاليد والتحولات الاجتماعية السريعة. ومن المتوقع أن تستمر هذه العلاقة في التأثير على بنية السياسة الإسرائيلية، بحيث تصبح الأحزاب الحريدية لاعبًا رئيسيًا في رسم ملامح الدولة ومستقبلها السياسي والاجتماعي.

التعليقات مغلقة.