أصبح الذكاء الاصطناعي، وفي مقدّمته “شات جي بي تي”، أداةً مساعدة يمكن أن ترتقي بجودة العمل الصحفي عندما تُستخدم باحترافية ومسؤولية. غير أن هذه التقنية تتحول إلى عبء على صاحبها عندما يعتمد عليها بشكل أعمى، دون مراجعة أو تدقيق أو احترام لأبسط قواعد الكتابة الصحفية.
وقد أثار أحد المقالات المنشورة أخيرًا موجة من السخرية داخل الأوساط الإعلامية، بعدما كشف عن أخطاء لغوية ومهنية ومنهجية واضحة، تدل على نقل نصوص من الذكاء الاصطناعي دون فهم أو تحرير أو تكييف مع المعايير الصحفية. فالصحافة ليست مجرد نسخ ولصق، وإنما مسؤولية أخلاقية ومهنية تقوم على التحقق من المعلومات، ودقة الصياغة، واحترام حق القارئ في الحصول على محتوى موثوق.
إن الاعتماد الكلي على أدوات الذكاء الاصطناعي دون امتلاك الحد الأدنى من مهارات التحرير يجعل المقالات مليئة بالتناقضات، والعبارات الركيكة، والاستنتاجات غير المبنية على وقائع، وهو ما يسيء إلى صاحبه أكثر مما يخدمه.
فالصحفي الحقيقي لا يقاس بعدد المقالات التي ينشرها، بل بقدرته على جمع المعلومات من مصادرها، والتحقق منها، وتحليلها، ثم تقديمها للقارئ في قالب مهني يحترم أخلاقيات المهنة والقانون.
أما محاولة استخدام الذكاء الاصطناعي لتصفية الحسابات أو توجيه اتهامات أو كتابة نصوص هجومية دون سند، فإنها لا تعكس سوى ضعف في الممارسة وقلة في الخبرة، لأن الذكاء الاصطناعي لا يمنح صاحبه المصداقية، بل تبقى هذه الأخيرة رهينة بالنزاهة، والكفاءة، والالتزام بقواعد الصحافة.
ويبقى المؤسف أن البعض يعتقد أن امتلاك هاتف أو حاسوب، أو القدرة على تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، يكفي ليصبح صحفيًا. والحقيقة أن الصحافة رسالة ومسؤولية قبل أن تكون مهنة، وهي تقوم على المعرفة والخبرة واحترام القانون وأخلاقيات النشر.
إن مستقبل الإعلام لن يكون لمن يعتمد على النسخ الآلي، وإنما لمن يوظف التكنولوجيا بذكاء، ويضيف إليها فكره وخبرته وتحليله، لأن القارئ أصبح أكثر وعيًا، ويستطيع بسهولة التمييز بين المقال المهني، والنص الذي كُتب بلا روح ولا معرفة.

التعليقات مغلقة.