العمارة المحلية في وادي أيت بوكماز تراث ألفي على حافة الهاوية
جريدة أصوات
كشفت دراسة علمية حديثة النقاب عن حالة التدهور المتقدم والمقلق الذي يهدد التراث المعماري العريق في وادي أيت بوكماز، بقلب الأطلس الكبير المتوسط بالمغرب، مما ينذر بخطر زوال هذا الإرث الحضاري الفريد.
الدراسة، التي صدرت عام 2025 ضمن منشورات “Materials Research Proceedings 47” وأعدها فريق من الباحثين المغاربة من جامعة السلطان مولاي سليمان في بني ملال، حملت عنوان “جبال أيت بوكماز في الأطلس الكبير المتوسط المغربي: مختبر للعمارة المحلية”. وقام بإعدادها كل من الباحثين جمال شهرو، ومحمد المايوسي، وفريد جعا، وهم أساتذة في الجغرافيا متخصصون في التخطيط الحضري والتراث.
وفقًا للدراسة، فإن العمارة المحلية في المنطقة، والتي تشمل المخازن الجماعية “إيغودار” ومنازل القصبات، لم تكن مجرد حل مفروض بسبب الصعوبات الاقتصادية، بل كانت “استجابة علمية متطورة للغاية”. حيث استخدم السكان المحليون موادًا طبيعية مثل التراب في البيئات القاحلة، والحجر والأسقف المنحدة في المناطق الجبلية الممطرة والثلجية، مما أدى إلى نشوء أنماط معمارية مذهلة تتكيف بذكاء مع الظروف المناخية وتندمج في المشهد الطبيعي المحيط.
للتقييم الدقيق لحالة هذا التراث، طور الباحثون منهجية كمية مستوحاة من الطرق الأوروبية، بهدف تقليل ذاتية التقييم ووضع معايير علمية واضحة. وعلى مدى مشروع بحثي امتد من 2017 إلى 2022، تم جرد ودراسة 60 موقعًا ذا أهمية خاصة، تم اختيار ستة مخازن جماعية منها لتقييم معمق.
كشفت النتائج عن تباين كبير في حالة المواقع. حيث برز مخزن “سيدي موسى” كاستثناء إيجابي، حيث حصل على أعلى قيمة علمية (0.68) بفضل حالته الجيدة بعد ترميمه من قبل اليونسكو، وتصميمه الدائري النادر، وسلامته الهيكلية الكاملة.
في المقابل، كشف التقييم عن وضع كارثي لأغلب المخازن، حيث تعاني أربعة من أصل ستة (4/6) من سلامة هيكلية منخفضة جدًا (حوالي 0.25). وسجل مخزنا “أكوتي” و”أيت مجول” قيمة علمية ضعيفة بلغت 0.31 فقط بسبب تدهور حالتهما.
ورغم تسجيل المواقع لقيمة جمالية مرتفعة (0.74) بفضل أشكالها المثيرة ومواقعها المطلة، إلا أن القيم الأخرى كانت ضعيفة بشكل مثير للقلق. حيث بلغت القيمة الثقافية (0.29)، والقيمة البيئية (0.10)، بينما كانت القيمة الاقتصادية شبه منعدمة (0.083)، مما يعكس الإهمال والهجران الذي تعانيه هذه المباني. ويظل مخزن “سيدي موسى” استثناءً هنا أيضًا، حيث يجذب سياحًا يدفعون رسوم دخول، مما يمنحه قيمة اقتصادية وثقافية معتبرة.
تخلص الدراسة إلى تحذير شديد اللهجةالجهود البحثية، فإن عملية تفكك وتلاشي هذا التراث تتسارع يوميًا، ويتفاقم الوضع بسبب العقبات التقنية والمالية التي تحول دون أي تدخل عاجل.
ويؤكد الباحثون أن الحفاظ على ما تبقى من هذا “التراث الألفي” للأجيال القادمة هو مهمة معقدة، لكنها تمثل واجبًا وفرصة لجميع المعنيين. فهذه العمارة ليست مجرد حجارة وطين، بل هي مخزن لدروس مادية وغير مادية لا تقدر بثمن، تحكي قصة عبقرية إنسان هذه الأرض وتكيفه مع الطبيعة على مر القرون. وإنقاذها هو إنقاذ لذاكرة جماعية وهوية ثقافية فريدة على حافة الاندثار.

التعليقات مغلقة.