أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

الكشف عن شبكة رقمية منسقة للتأثير في الرأي العام والمسار الانتخابي بالمغرب

جريدة أصوات

كشفت شبكة أريج للصحافة الاستقصائية، في تحقيق نشر مؤخرًا، عن وجود منظومة رقمية سرية تعمل بشكل منسق منذ أكثر من أربع سنوات، بهدف تشكيل الرأي العام في المغرب والتأثير في المسار الانتخابي، لصالح حزب التجمع الوطني للأحرار، المتصدر للأغلبية الحكومية.

وثّق التحقيق، الذي استند إلى تحليل بيانات ضخمة، وجود أكثر من 140 حسابًا وهميًا مرتبطة بحملات رقمية منسقة. تعمل هذه الشبكة وفق آلية منظمة تعتمد على إعادة نشر نصوص ورسائل معدة مسبقًا بشكل متكرر ومتزامن على منصة فيسبوك، في إطار ما يُصنف ضمن “الدعاية الحاسوبية”.

وتمكن فريق “أريج” من رصد 143 حسابًا تعيد نشر أكثر من 529 منشورًا بنصوص متماثلة، مستخدمة أساليب تضليل مدروسة تستهدف الخصوم السياسيين وتضخم المحتوى الموالي للحزب، عبر استنساخ هويات رقمية وصور لأشخاص حقيقيين مسروقة من الإنترنت دون علمهم.

توقف التحقيق عند حادثة بارزة خلال الحملة الانتخابية الجزئية بدائرة فاس الجنوبية في أبريل 2024. حيث جرى تداول مقطع من كلمة عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، بعد تعديله وإخراجه من سياقه الأصلي ليظهر وكأنه يصف أهل فاس بـ”المحششين”.

وأثبتت البيانات التقنية أن العشرات من الحسابات الوهمية انخرطت في توقيت موحد لنشر هذا المحتوى المضلل، الذي أطلقه أولاً قيادي بارز في حزب الأحرار، بهدف تضخيمه وإثارة غضب الساكنة والتأثير المباشر على نتائج الاقتراع.

كشف التقرير عن أن طريقة عمل هذه الشبكة تتخذ شكلاً “عنقوديًا”، حيث تتناوب الحسابات على نسخ ولصق نصوص جاهزة في مئات الصفحات والمنشورات. كما وثق التحقيق هجومًا منسقًا يومي 25 و26 يونيو 2024 ضد طلبة الطب والصيدلة لوصفهم بـ”المتمردين”، حيث تكررت نفس التعليقات بأخطائها الإملائية وبنفس الصياغة على مدى سنوات، مما يكشف الطابع الآلي والمنظم لهذه العملية التي تهدف لخلق انطباع زائف بوجود دعم شعبي كاسح.

ولم تتوقف الشبكة عند الدعاية السياسية، بل تورطت في نشر أخبار زائفة تمس المعيش اليومي للمغاربة. حيث رصد التحقيق ترويج حسابات وهمية، بتاريخ 24 سبتمبر 2024، لادعاءات كاذبة حول “انخفاض أسعار اللحوم” بعد قرار الحكومة تعليق الرسوم الجمركية، مستعملة صورًا مضللة، في وقت كانت فيه الأرقام الرسمية للمجازر تؤكد استمرار الغلاء.

نقل التحقيق عن خبراء قانونيين تأكيدهم وجود “ثغرة تشريعية” في المغرب، حيث لا يعاقب القانون الحالي صراحة على إنشاء “حسابات وهمية” للتأثير السياسي، مما يفتح الباب أمام الأحزاب لاستخدام “المال الفاسد” في شراء الذمم الرقمية وتزوير النقاش العمومي.

كما وجه التحقيق أصابع الاتهام لشركة “ميتا” (مالكة فيسبوك)، التي فشلت في رصد هذه الشبكة رغم نشاطها المشبوه والمخالف لقوانين المنصة طيلة سنوات، مما سمح باستمرار عملية “التلاعب الممنهج” بالرأي العام المغربي.

يأتي هذا التحقيق ضمن جهود شبكة “أريج” (إعلاميون من أجل صحافة عربية استقصائية)، وهي منظمة غير ربحية متخصصة في الصحافة الاستقصائية وتدقيق المعلومات في العالم العربي. وقد دربت الشبكة أكثر من 2800 صحافي وأنتجت 600 تحقيق استقصائي في 20 بلدًا عربيًا خلال السنوات الخمسة عشر الماضية.

وتجدر الإشارة إلى أن “أريج” قامت مؤخرًا بتعزيز تعاونها مع المؤسسات الإعلامية والأكاديمية المغربية. ففي يونيو 2025، نظمت ورشة تدريبية مكثفة بالتعاون مع الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها في المغرب حول “صحافة البيانات ودورها في مكافحة الفساد”، كما وقعت مذكرات تفاهم مع صحيفة “العومك المغربي” وجامعة مولاي إسماعيل في مكناس.

التعليقات مغلقة.