أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

المساطر الجامعية.. حين تصبح الوثيقة عائقا أمام الطالب

ماجدة أكريما

ليست الجامعة مجرد مدرجات إسمنتية أو شواهد تُعلّق على جدران البيوت بعد سنوات من الدراسة، بل هي فضاء تُصنع فيه الأفكار، وتُختبر فيه الأسئلة، وتُبنى فيه ملامح جزء من مستقبل الأمم.

لكن ماذا يحدث حين يجد الطالب نفسه، بدل الانشغال بدروسه ومحاضراته وأبحاثه، مضطراً إلى مطاردة وثيقة إدارية بين المكاتب والمصالح، ويصبح مستقبله الدراسي مرتبطاً بشهادة قد يصعب عليه الحصول عليها؟

هذا السؤال يطرح نفسه أمام مساطر التسجيل المعتمدة في بعض مؤسسات جامعة القاضي عياض، خصوصاً بالنسبة إلى الطلبة الذين يُطلب منهم الإدلاء بشهادة عدم العمل المسلّمة من السلطة المختصة.

فالطالب الذي اختار العودة إلى مقاعد الجامعة، أو مواصلة دراسته بعد انقطاع، أو البحث عن فرصة ثانية لبناء مستقبله، قد يجد نفسه أمام مسار إداري معقد لا علاقة له بمستواه العلمي أو بقدرته على التحصيل.

وفي المقابل، اختارت جامعات مغربية أخرى مسلكاً أكثر بساطة، إذ تعتمد جامعة شعيب الدكالي، بالنسبة لغير الأجراء، التصريح بالشرف بعدم ممارسة أي نشاط مهني، بما يجعل إثبات الوضعية المهنية يتم من خلال إجراء أبسط، دون تحميل الطالب عبء الحصول على وثيقة من سلطة إدارية أخرى.

وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بوثيقة إدارية في حد ذاتها، بقدر ما يرتبط بفلسفة التعامل مع الطالب: هل نيسر له طريق العلم، أم نضيف إلى مساره عتبات إدارية قد لا تكون لها علاقة مباشرة بجوهر العملية التعليمية؟

إن تعقيد المساطر لا يعني فقط ضياع دقائق أو ساعات في طوابير الإدارات، بل قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى فقدان طلبة الرغبة أو القدرة على استكمال مسارهم الجامعي.

وقد يبدو انسحاب طالب واحد رقماً محدوداً في حسابات المؤسسات، لكن وراء ذلك الرقم قد يكون مشروع باحث أو أستاذ أو مهندس أو صحافي أو طبيب أو خبير، كان من الممكن أن يضيف شيئاً إلى المعرفة والاقتصاد والمجتمع.

ومن هذه الزاوية، تبرز أيضاً مسألة هدر الطاقات البحثية والعلمية؛ فكل طالب يغادر الجامعة قبل استثمار قدراته يمثل فرصة معرفية لم تُستثمر، وفكرة ربما لم تولد، واكتشافاً محتملاً لم ير النور.

والدول التي تراهن على المستقبل لا تنظر إلى الجامعة باعتبارها مجرد مؤسسة لتوزيع الشهادات، وإنما باعتبارها خزّاناً للعقول، ومختبراً للأفكار، ومشتلاً للكفاءات. وكلما تيسرت أمام الطلبة سبل التعلم والبحث، اتسعت فرص إنتاج المعرفة وبناء اقتصاد قائم على الكفاءة والابتكار.

لذلك، فإن مطالبة الطالب بإثبات عدم عمله من خلال وثيقة قد يصعب الحصول عليها، في وقت يمكن فيه اعتماد تصريح بالشرف أو آلية رقمية للتحقق من الوضعية، تطرح موضوع تبسيط المساطر الجامعية للنقاش وإعادة النظر.

فالحديث هنا لا يتعلق فقط براحة الطالب أثناء استكمال ملف إداري، وإنما بمبدأ أوسع، يتمثل في ألا تتحول الإجراءات إلى حاجز بين الإنسان والمعرفة.

والمغرب الذي يستعد لبناء غده يحتاج إلى كل عقل قادر على التفكير، وكل شاب قادر على البحث، وكل طالب يحمل حلماً علمياً أو مهنياً. ومن ثم، فإن تبسيط المساطر الجامعية يمكن النظر إليه باعتباره جزءاً من الاستثمار في الإنسان.

فحين نفتح للطالب باب الجامعة، ينبغي ألا نغلق أمامه أبوابها بالمساطر، لأن مغرب الغد لن يُبنى فقط بالإسمنت والطرق والمشاريع، وإنما أيضاً بالعقول التي نمنحها فرصة التعلم والبحث والابتكار والمساهمة في صناعة المستقبل.

التعليقات مغلقة.