لم تعد صناعة السيارات في العالم حكراً على الدول التقليدية، ففي ظل تحولات اقتصادية متسارعة، يبرز المغرب كلاعب جديد يصعد بقوة، مهدداً مواقع راسخة في الجارة الشمالية إسبانيا، وفقاً لتحليل نشرته صحيفة “إل إيكونوميستا” الإسبانية.
وتشير المعطيات إلى أن المغرب تحول من لاعب متواضع إلى أحد الأطراف الفاعلة الرئيسية في هذا القطاع الإستراتيجي، مستفيداً من خطة توسع طموحة، وتكاليف تنافسية، وشبكة لوجستية متطورة مصممة خصيصاً لتزويد السوق الأوروبية.
أصبح المغرب في دائرة اهتمام كبار المصنّعين العالميين، في وقت تفقد فيه الصناعة الإسبانية زخمها، حيث هبطت إلى المرتبة التاسعة عالمياً. بينما يحلق المغرب عالياً، مهدداً ريادة إسبانيا للقطاع في شبه الجزيرة الإيبيرية.
وتُظهر الأرقام ديناميكية الصعود المغربي: ففي عام 2024، أنتج المغرب حوالي 700 ألف سيارة، ويطمح لتجاوز حاجز المليون سيارة في 2025، والوصول إلى إنتاج مليوني سيارة بحلول عام 2030.
هذه الطموحات تجعل الفجوة مع إسبانيا، التي أنتجت 2.38 مليون وحدة في 2024، تضيق بسرعة كبيرة. ويكفي النظر إلى أداء النصف الأول من عام 2025، حيث نما الإنتاج المغربي بنسبة 36%، بينما تراجع الإنتاج في إسبانيا بنسبة 8.4% في الفترة نفسها.
بفضل هذا الأداء، بات المغرب اليوم أكبر منتج للسيارات في إفريقيا، وخامس أكبر مصدر للسيارات إلى الاتحاد الأوروبي، متجاوزاً بذلك العديد من المنافسين التقليديين.
تكشف “إل إكونوميستا” أن مفتاح النجاح المغربي يكمن في هيكل التكاليف التنافسي، الذي يجذب الشركات متعددة الجنسيات الباحثة عن الربحية العالية.
وتلعب ثلاثة عوامل رئيسية دوراً محورياً في هذه المعادلة الأجور المنخفضة مقارنة بنظيرتها في أوروبا وحوافز ضريبية جاذبة للمستثمرين.
طاقة تنافسية بفضل الإمكانات الشمسية الهائلة التي تتيح توليد طاقة متجددة بأسعار منخفضة.
إلى جانب هذه العوامل، تمتلك المملكة استراتيجية صناعية واضحة، وبنية تحتية لوجستية حديثة، تربطها بأسواق أوروبا بكفاءة عالية، ما يجعلها بمثابة “منصة إنتاج” مثالية تطل على القارة العجوز.
يشكل صعود المغرب نموذجاً لتحول الخريطة الصناعية العالمية، حيث تنتقل مراكز الإنتاج إلى مواقع جديدة تقدم مزايا تنافسية حاسمة. وفي الوقت الذي تواجه فيه الصناعات التقليدية في أوروبا تحديات متزايدة، يثبت المغرب أن الاستثمار في البنية التحتية وتقديم بيئة أعمال جاذبة يمكن أن يصنع المعجزات، محولاً المملكة من دولة وليدة في المجال إلى منافس قوي لا يُستهان به على أبواب أوروبا.

التعليقات مغلقة.