أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

بين الإعلام الحقيقي و”لا بيف TV”: فوضى المصطلحات وتدهور المهنية

بقلم الاستاد م ع.

شهد المشهد الإعلامي المغربي خلال السنوات الأخيرة تغيّرات كبيرة، بعضها إيجابي، وبعضها الآخر أثّر سلبًا على صورة الصحافة ومصداقيتها. إحدى الظواهر اللافتة هي انتشار ما يُعرف بأسلوب “لا بيف” في صفحات الفايسبوك والمواقع الرقمية، وهو أسلوب اعتمد على تبسيط المواد الإعلامية بشكل مبالغ فيه، أحيانًا إلى حدود السخرية، مع الاستغناء عن الأسس المهنية في المونتاج الصحفي، التحقق من المصادر، أو اتباع المنهج الأكاديمي في نقل الأخبار.
ما زاد الوضع تعقيدًا هو اعتماد كثير من صناع المحتوى على اسماء مصطنعة، أحيانًا يضاف إليها مصطلح “TV”، ما أعطى انطباعًا بأن كل من يمتلك كاميرا أو صفحة على الإنترنت أصبح مقدّمًا أو صحفيًا. هذه الظاهرة لم تؤد فقط إلى إغراق الجمهور بمحتوى غير موثوق، بل ساهمت في تشويه المفاهيم المهنية، بحيث أصبح من الصعب على القارئ العادي تمييز الفرق بين الصحفي الأكاديمي أو التقني وبين الهواة الذين يعتمدون أسلوب الإثارة أو “اللايف” المبسط.
من وجهة نظر نقدية، هذه الممارسة تهدد مصداقية الإعلام وتقوض قيمته الأساسية: نقل المعلومة بدقة ومصداقية. فالصحافة ليست مجرد نشر صور أو فيديوهات أو تحديث مستمر لصفحة على الفايسبوك، بل هي عملية تحليلية، منهجية، ومتسقة مع المعايير المهنية. التقني يجب أن يظل في موقعه، والصور الصحفية في موقعها، أما الصحفي المهني فيحافظ على دوره الأساسي في التحقق من المعلومات، صياغة الخبر، وتقديمه بموضوعية.
الوقت حان لإعادة ترتيب المشهد الإعلامي، بحيث يُعرف كل شخص بقيمته الحقيقية، ويتم الفصل بين: المحتوى الترفيهي والهواة، والمحتوى الأكاديمي والتحليلي، والمهنة الصحفية الحقيقية. هذا التصنيف لا يحد من حرية التعبير، لكنه يعيد المصداقية والجودة إلى الإعلام المغربي، ويضمن للمواطنين الوصول إلى معلومات دقيقة وموثوقة، بدل الوقوع ضحية لمزاجية صفحات “لا بيف TV”.
في النهاية، يتطلب المشهد الإعلامي تدخلًا مؤسسيًا ومهنيًا، ليس لفرض رقابة، بل لتنظيم الفوضى وضمان احترام المعايير الأخلاقية والمهنية، بما يحمي حق المواطن في معرفة الحقيقة ويميز بين من يقدم الإعلام كفن ومهنة، ومن يعتبره مجرد أداة للانتشار والربح السريع.

التعليقات مغلقة.