أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

صراع العدول مع مشروع القانون رقم 16.22: قراءة نقدية في ضوء المستجدات القانونية

بقلم: الأستاذ محمد عيدني

أثار مشروع القانون رقم 16.22، المتعلق بمهنة العدول في المغرب، موجة واسعة من الجدل في الأوساط المهنية والقانونية، ليس فقط بسبب محتواه، بل أيضًا لطريقة إعداده وتمريره، والتي اعتبرتها الهيئة الوطنية للعدول وغيرهم من الخبراء القانونيين تجاهلاً صريحًا لملاحظاتهم المهنية. هذا الموقف الاحتجاجي يعكس حالة من التوتر المستمرة بين الجهات التشريعية والمهن القانونية المستقلة، ويطرح تساؤلات حول مستوى الشفافية وعمق التشاور في إعداد القوانين الحساسة، ومدى قدرة المؤسسات على التوفيق بين الإصلاح القانوني وحماية مصالح المهنيين.
الهيئة الوطنية للعدول أكدت أن تمرير المشروع دون الأخذ بعين الاعتبار لمقترحاتها وملاحظاتها يمس بمصداقية العمل التشريعي ويضعف استقلالية القرار القضائي، مشددة على أن أي تعديل قانوني يجب أن يكون مرتبطًا بكفاءات مهنية وإجراءات متأنية تضمن حماية حقوق المواطنين واستقلالية المهنة. ويشير هذا الموقف إلى أن النص، في صيغته الحالية، يركز أكثر على الضبط الرقابي والعقابي، دون توفير آليات حماية مناسبة للعدول، وهو ما قد يؤدي إلى خلل في التوازن بين الحقوق والواجبات داخل المنظومة القضائية.
من أبرز الانتقادات التي وجهت للمشروع هي غياب رؤية إصلاحية استراتيجية واضحة، حيث لم يقدم القانون خارطة طريق تطويرية حقيقية تعالج إشكالات المهنة داخل منظومة العدالة، بل اقتصر على وضع قواعد تنظيمية تقنية قديمة، دون الأخذ بعين الاعتبار التحولات الرقمية أو الرقمنة، أو حتى تعزيز الأمن التعاقدي للمواطنين. وبذلك، يمكن القول إن المشروع لم يرتقِ إلى مستوى التطلعات الإصلاحية التي ينتظرها الجسم المهني والمواطنون على حد سواء، بل بدا نصًا إجرائيًا تقنيًا أكثر منه قانونًا إصلاحيًا شاملًا.
كما أشار خبراء قانونيون إلى أن المشروع يعاني من أزمة شرعية المنهج التشاوري، حيث لم يتم اعتماد تشاور فعلي مع الهيئات المهنية المختصة قبل إقراره، وهو ما يثير تساؤلات دستورية، بالنظر إلى أن الدستور المغربي يؤكد على ضرورة إشراك المنظمات المهنية في وضع السياسات التشريعية التي تمس مصالحها. هذا التجاهل المهني دفع الهيئة الوطنية للعدول إلى الإعلان عن توقف إنذاري عن تقديم الخدمات العدلية يومي 18 و19 فبراير الجاري، كخطوة احتجاجية تهدف إلى الضغط لإعادة النظر في النص، مع الإشارة إلى استعدادها لاتخاذ أشكال نضالية إضافية إذا اقتضى الأمر.
وتظهر القراءة النقدية للمشروع أن الخلاف لا يقتصر على محتوى القانون، بل يمتد إلى منهجية سن التشريعات وسرعة إقرارها، وهو ما يهدد مهنية العدول وحيادهم في خدمة العدالة. فصياغة القانون تميل إلى استخدام لغة عقابية وتقييدية، مع كثرة الصيغ مثل “يجب”، “يلزم”، و”يمنع”، دون توفير آليات واضحة لحماية العدول من الاجتهادات الإدارية أو التحديات المهنية، وهو ما قد يؤدي إلى فقدان اليقين القانوني ويضع المهنة تحت ضغوط غير متوازنة.
إضافة إلى ذلك، يغفل القانون عن تضمين آليات حماية أساسية مثل صندوق الإيداع الذي يضمن سلامة الأموال المحتفظ بها خلال المعاملات التوثيقية، وهو ما يمثل ثغرة تنظيمية يمكن أن تؤثر على الأمن المالي والقانوني للعدول والمواطنين على حد سواء. الانتقادات المهنية تعتبر أن النص في صيغته الحالية قد يؤدي إلى تهميش تدريجي للعدول داخل المنظومة القانونية ويقلل من قدرتهم على تقديم خدمات فعالة للمواطنين، وهو ما يعكس خطر الإضعاف الهيكلي للمهنة بدل تعزيزها وتطويرها.
وبالنظر إلى هذه المعطيات، يبدو أن مشروع القانون رقم 16.22 يشكل اختبارًا حقيقيًا لقدرة المؤسسات المغربية على التوازن بين الإصلاح القانوني واستقلالية المهن القضائية وحماية حقوق المواطنين. فالخلافات المهنية والاحتجاجات الميدانية للهيئة الوطنية للعدول تكشف عن ضرورة مراجعة شاملة للقانون، تضمن إشراك الخبراء والمختصين، وتعمل على تطوير المهنة بما يتماشى مع التحولات القانونية والرقمية، دون المساس بمصداقية العدالة أو ثقة المواطنين في المؤسسات القضائية.
في النهاية، يبقى الملف مؤشرًا واضحًا على الحاجة إلى تطوير منهجية تشريعية شاملة وشفافة، قادرة على الجمع بين الإصلاح القانوني وحقوق المهنيين والمواطنين، وضمان ألا تصبح القوانين مجرد نصوص عقابية تقيد المهنة بدل تمكينها، وهو ما يمثل تحديًا رئيسيًا للمغرب في سبيل تحديث منظومة العدالة والحفاظ على استقلاليتها.

التعليقات مغلقة.