أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

في كتاب جراح السرد سعيد الفلاق

سعيد الفلاق (باحث مغربي)

يقدّم الباحث والناقد المغربي محمد الداهي في كتابه الجديد “جراح السرد: صدمة الغيرية والرد بالكتابة”، الصادر سنة 2026 عن المركز الثقافي للكتاب، قراءة نقدية معمقة للسرديات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، مستكشفاً الكيفية التي أسهم بها الأدب في تفكيك الخطاب الاستعماري واستعادة الذاكرة الجماعية للشعوب التي عانت من الاحتلال والإقصاء.

وينطلق الكتاب من تصور يعتبر السرد أكثر من مجرد وسيلة لنقل الوقائع، إذ يجعله فضاءً لإنتاج المعنى وصياغة الذاكرة الجماعية، من خلال مساءلة تمثلات الماضي، وكشف الجراح المادية والرمزية التي خلفها الاستعمار، وإبراز أشكال المقاومة الثقافية التي أعادت الاعتبار لأصوات المهمشين.

ويمنح الداهي مكانة مركزية لمفهوم “شعرية الذاكرة”، بوصفه آلية لتفكيك العلاقة بين التذكر والنسيان، والحقيقة والتأويل، مؤكداً أن الذاكرة ليست عملية بريئة، بل تخضع في كثير من الأحيان لانتقائية سياسية وإيديولوجية تحدد ما يجب استحضاره وما ينبغي طمسه. واستند في بناء هذا التصور إلى مرجعيات فكرية بارزة، من بينها أعمال تزفيتان تودوروف وبول ريكور، اللذين تناولا إشكالات الذاكرة والنسيان وتوظيفهما في كتابة التاريخ.

تفكيك الخطاب الاستعماري

يقوم الكتاب على محورين رئيسيين؛ يخصص الأول لتفكيك الصور النمطية التي أنتجها الخطاب الاستعماري عن الشعوب المستعمرة، بينما يركز الثاني على مفهوم “الرد بالكتابة” باعتباره ممارسة إبداعية ونقدية تعيد للمستعمَرين حقهم في رواية تاريخهم وصياغة ذاكرتهم بعيداً عن هيمنة الرواية الإمبراطورية.

ويبرز المؤلف كيف تحولت اللغة الاستعمارية إلى أداة للهيمنة الثقافية، لكنها أصبحت في الأدب ما بعد الكولونيالي وسيلة للمقاومة عبر إعادة توظيفها وتهجينها بما يعكس خصوصيات المجتمعات المستعمرة وهوياتها الثقافية.

نماذج أدبية متنوعة

اعتمد الداهي على تحليل عدد من الأعمال الروائية والسير الذاتية لإبراز تجليات الصراع بين الأنا والآخر، من بينها رواية “الحي اللاتيني” لسهيل إدريس، وسيرة فدوى طوقان، وأعمال الروائي الفرنسي موريس لوغلاي، ورواية “حرب الكوم” لمحمد المعزوز، إضافة إلى تجربة المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد في كتابه “خارج المكان”، وأدب الكاتب التنزاني الحائز على نوبل عبد الرزاق قرنح، فضلاً عن رواية “صحراء” للكاتب الفرنسي جون ماري غوستاف لوكليزيو.

وتكشف هذه النماذج، بحسب المؤلف، عن استمرار آثار الاستعمار في تشكيل الهويات والتمثلات الثقافية، كما تؤكد قدرة الأدب على إعادة كتابة التاريخ من منظور الضحايا والمهمشين.

اللغة بين الجرح والمقاومة

ويتوقف الكتاب عند مفهوم “الجراح اللغوية”، موضحاً أن الكلمات قد تخلّف آثاراً نفسية ورمزية لا تقل خطورة عن الجراح الجسدية، خاصة عندما تُستخدم لترسيخ العنصرية والإقصاء. وفي المقابل، يرى الداهي أن الأدب يمنح الأفراد والجماعات فرصة للتعبير عن معاناتهم وتحويل الذاكرة الجريحة إلى أداة للمصالحة مع الماضي واستعادة الكرامة.

إضافة نوعية للدراسات السردية

ويخلص الكتاب إلى أن السرد ليس مجرد ممارسة جمالية، بل فعل معرفي وأخلاقي يسهم في مساءلة التاريخ، وحفظ الذاكرة، ومقاومة الإقصاء، وبناء علاقات أكثر إنسانية بين الذات والآخر. كما يؤكد أن الكتابة ما بعد الكولونيالية تمثل مشروعاً ثقافياً لإعادة الاعتبار للهويات المهمشة، ومواجهة الإرث الاستعماري عبر إنتاج سرديات بديلة تعيد التوازن إلى الذاكرة الجماعية.

ويتميز الكتاب، وفق هذه الرؤية، ببناء منهجي متماسك يجمع بين التأصيل النظري والتطبيق النقدي، ويقدم إضافة علمية بارزة إلى حقل الدراسات السردية، بفضل عمق تحليله واتساع مرجعياته وقدرته على الربط بين الأدب والتاريخ والذاكرة في سياق نقدي معاصر.

التعليقات مغلقة.