ليست كل القضايا التي تصل إلى أروقة المحاكم مجرد ملفات قضائية عادية، فبعضها يثير نقاشًا مجتمعيًا واسعًا بسبب الصفة التي يحملها الأشخاص المعنيون بها. ومن بين هذه القضايا، يبرز ملف كولونيل يشغل منصبًا مسؤولًا بإحدى المؤسسات الاستشفائية العسكرية، والذي قررت النيابة العامة لدى المحكمة الابتدائية بالرباط إيداعه السجن الاحتياطي في إطار تحقيق قضائي بشأن شكاية معروضة على أنظار القضاء، مع التأكيد أن القضية لا تزال في مراحلها القضائية وأن المعني بالأمر يتمتع بقرينة البراءة إلى أن يقول القضاء كلمته النهائية.
إن ما يجعل مثل هذه القضايا تستأثر باهتمام الرأي العام ليس الرتبة العسكرية في حد ذاتها، وإنما ما ترمز إليه من قيم الانضباط والالتزام والشرف العسكري. فرتبة الكولونيل لا تُنال بسهولة، بل هي ثمرة سنوات طويلة من التكوين والخدمة والتضحية، ولذلك يُنتظر ممن يحملها أن يكون نموذجًا في احترام القانون والأخلاق.
وقد رسخ المغرب، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، صورة مؤسسة عسكرية وطنية مشهود لها بالكفاءة والانضباط والولاء للوطن. وهي مؤسسة تحظى بثقة كبيرة داخل المجتمع بفضل أدوارها في حماية الوطن والدفاع عن وحدته الترابية والمشاركة في مختلف المهام الإنسانية والتنموية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي أفعال قد تُنسب إلى أفراد، إذا ثبتت قضائيًا، تبقى مسؤولية شخصية لا يجوز تعميمها على المؤسسة العسكرية، التي تظل أكبر من تصرفات أي فرد مهما كانت رتبته أو مكانته.
إن دولة الحق والقانون التي ينهجها المغرب تقوم على مبدأ واضح، وهو أن الجميع متساوون أمام القضاء، دون امتياز أو حصانة خارج ما يقرره القانون. وهذه هي الرسالة الأسمى: أن تحمل مسؤولية أو رتبة رفيعة لا يعفي صاحبها من الخضوع للعدالة، كما أن مجرد المتابعة لا تعني الإدانة قبل صدور حكم نهائي.
ويبقى الأمل أن تكشف مجريات التحقيق والمحاكمة الحقيقة كاملة، تحقيقًا للعدالة، وصونًا لحقوق جميع الأطراف، وترسيخًا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يعزز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة وفي استقلال القضاء.

السابق بوست
التعليقات مغلقة.