السوسيولوجيا المعاصرة.. من سطوة النسق إلى رحابة الفعل والتواصل
"جريدة أصوات" بقلم "الأستاذ محمد عيدني"
يطرح كتاب عالم الاجتماع البريطاني إيان كريب، «النظرية الاجتماعيةمن بارسونز إلى هابرماس»، واحدا من المسارات الفكرية المهمة لفهم التحولات التي عرفتها النظرية الاجتماعية خلال القرن العشرين، بعدما انتقلت السوسيولوجيا تدريجياً من التركيز على البنيات والأنساق الكبرى إلى الاهتمام بالفاعل الاجتماعي، وبالمعنى، واللغة، والتواصل، وآليات إنتاج الواقع الاجتماعي.
ولا تكمن أهمية هذا العمل في كونه مجرد عرض لتاريخ مجموعة من النظريات السوسيولوجية، وإنما في كونه محاولة تحليلية لفهم الأسئلة العميقة التي واجهت علم الاجتماع الحديث:
هل يتحكم المجتمع في أفعال أفراده من خلال مؤسساته وقواعده وبنياته؟
أم أن الأفراد، من خلال ممارساتهم اليومية وتفاعلاتهم وتأويلاتهم، يساهمون باستمرار في إنتاج المجتمع وإعادة تشكيله؟
ينطلق كريب من محطة أساسية تتمثل في مشروع عالم الاجتماع الأمريكي تالكوت بارسونز، الذي سعى إلى بناء تصور متكامل للفعل والنظام الاجتماعي. فقد نظر بارسونز إلى المجتمع باعتباره نسقاً تتفاعل داخله مجموعة من المؤسسات والأدوار والقيم، بما يسمح بتحقيق قدر من الاستقرار والتوازن والاستمرارية. وفي هذا التصور، لا يظهر الفرد باعتباره كيانا منفصلا عن المجتمع، بل فاعلا يتحرك داخل شبكة من القواعد والمعايير والتوقعات الاجتماعية.
غير أن هذا التصور أثار منذ وقت مبكر أسئلة نقدية عميقة، خصوصا حول قدرة النظرية الوظيفية على تفسير الصراع والتغيير والتحولات الاجتماعية. فحين يصبح الاستقرار محورا مركزيا لفهم المجتمع، قد يتراجع الاهتمام بالتناقضات الاجتماعية ومصالح الجماعات المختلفة، كما قد تبدو حرية الفاعل محدودة أمام قوة البنيات والمؤسسات والقواعد المنظمة للسلوك.
ومن هنا بدأت السوسيولوجيا المعاصرة تبحث عن مداخل أخرى لفهم المجتمع، مداخل تعيد الاعتبار إلى الإنسان باعتباره فاعلا وليس مجرد نتيجة لبنية اجتماعية جاهزة.
وقد برز هذا الاتجاه بوضوح من خلال التفاعلية الرمزية، والظاهراتية، والإثنوميثودولوجيا، وهي تيارات أعادت النظر في الطريقة التي يُبنى بها الواقع الاجتماعي في الحياة اليومية.
فلم يعد المجتمع بالنسبة إلى هذه المقاربات مجرد مؤسسات كبرى وقوانين وأنساق، وإنما أصبح أيضاً ما ينتجه الناس في تفاعلاتهم اليومية، وفي اللغة التي يستعملونها، وفي الرموز التي يتبادلونها، وفي المعاني التي يمنحونها لأفعالهم وتجاربهم.
ويكتسب هذا التحول أهمية كبيرة لأنه نقل مركز الاهتمام من سؤال «كيف يفرض المجتمع نفسه على الفرد؟» إلى سؤال أكثر تركيباً: «كيف يساهم الأفراد أنفسهم في إنتاج الواقع الاجتماعي الذي يعيشون داخله؟»
ومن هذا المنظور، يصبح الواقع الاجتماعي عملية مستمرة وليست حقيقة ثابتة. فاللغة والتواصل والتفاعل اليومي ليست مجرد أدوات لنقل المعنى، بل آليات أساسية في صناعة المعنى الاجتماعي نفسه. وهذا ما جعل أعمال مفكرين مثل جورج هربرت ميد وإرفينغ غوفمان وهارولد غارفينكل تفتح آفاقا جديدة أمام البحث السوسيولوجي، من خلال الاقتراب أكثر من تفاصيل الحياة اليومية وتجارب الأفراد.
لكن مسار النظرية الاجتماعية لم يتوقف عند هذا الحد. فقد عادت الأسئلة المتعلقة بالسلطة والإيديولوجيا والبنية الاجتماعية بقوة من خلال البنيوية والنظرية النقدية، خصوصا مع مفكرين حاولوا الكشف عن الآليات غير المرئية التي تؤثر في وعي الأفراد وسلوكهم. وهنا تظهر أهمية تحليل الإيديولوجيا، باعتبارها ليست مجرد أفكار معلنة، وإنما منظومة من التصورات والقيم التي يمكن أن تتسلل إلى الوعي الاجتماعي وتساهم في تشكيل طريقة الأفراد في فهم أنفسهم والعالم المحيط بهم.
وفي هذا السياق، يصبح الانتقال نحو مدرسة فرانكفورت والنظرية النقدية محطة أساسية في تطور الفكر الاجتماعي الحديث، لأنها أعادت طرح سؤال العقل والحداثة والسلطة، وربطت تحليل المجتمع بنقد أشكال الهيمنة التي يمكن أن تنتجها المؤسسات والاقتصاد والسياسة والثقافة.
ويبلغ هذا المسار إحدى أبرز محطاته مع يورغن هابرماس، الذي حاول تجاوز عدد من الثنائيات التي طبعت الفكر الاجتماعي الحديث، وخصوصا التعارض بين البنية والفاعل، وبين العقلانية الأداتية والعقلانية التواصلية. ومن خلال مفهوم الفعل التواصلي، منح هابرماس للغة والحوار والتفاهم مكانة مركزية في تفسير إمكانية بناء مجتمع أكثر عقلانية وديمقراطية.
وهنا تكتسب أطروحة كريب قيمتها الأساسية؛ فهي لا تقدم النظريات السوسيولوجية باعتبارها جزرًا منفصلة، وإنما تكشف عن حوار فكري طويل بين اتجاهات مختلفة حاول كل منها الإجابة عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بالإنسان والمجتمع والسلطة والمعنى والتغيير.
وتكمن قوة هذا المسار في أنه يقود إلى تجاوز الثنائية التقليدية بين الفرد والمجتمع. فالفرد ليس مجرد ضحية لبنية اجتماعية تتحكم فيه بشكل كامل، كما أن المجتمع ليس مجرد مجموع أفعال فردية منفصلة. إن العلاقة أكثر تعقيداً؛ فالبنيات الاجتماعية تؤثر في أفعال الأفراد، لكن الأفراد، من خلال ممارساتهم اليومية، قادرون أيضاً على إعادة إنتاج تلك البنيات أو تعديلها أو مقاومتها.
وهذه الفكرة تظل ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى الباحث السوسيولوجي المعاصر، خصوصا في ظل التحولات التي يعرفها المجتمع اليوم بفعل الثورة الرقمية، ووسائل التواصل الاجتماعي، وتغير أنماط العمل والأسرة والتنشئة، وظهور أشكال جديدة من التفاعل وصناعة الرأي العام.
فالمجتمع المعاصر لم يعد قابلاً للفهم من خلال نموذج نظري واحد. إن تعقيد الظواهر الاجتماعية يفرض على الباحث امتلاك قدرة على الجمع بين أكثر من مقاربة، والنظر إلى الظاهرة من مستويات متعددة، بدءاً من البنية والمؤسسة، وصولاً إلى الفاعل والتفاعل واللغة والمعنى.
ومن هنا يمكن النظر إلى كتاب إيان كريب باعتباره مدخلا مهما إلى فهم تاريخ الصراع النظري داخل السوسيولوجيا الحديثة، وليس مجرد كتاب تعليمي يقدم تعريفات للمدارس والتيارات. فهو يساعد القارئ على اكتشاف أن تطور علم الاجتماع لم يكن خطاً مستقيما، بل كان نتيجة جدالات فكرية متواصلة حول طبيعة الإنسان والمجتمع، وحول حدود العلم وقدرته على تفسير الواقع.
إن الانتقال من «النسق المغلق» إلى «الفعل والتواصل» يعكس، في العمق، انتقالا من تصور يرى المجتمع باعتباره منظومة تفرض قواعدها على الأفراد، إلى تصور أكثر انفتاحا يرى الواقع الاجتماعي باعتباره مجالا للتفاعل والتأويل والتفاوض وإنتاج المعنى.
ولهذا تظل قراءة هذا النوع من الأعمال ضرورية للباحثين والطلبة والمهتمين بعلم الاجتماع، لأنها لا تمنحهم أجوبة جاهزة بقدر ما تدربهم على طرح الأسئلة الصحيحة. فالسوسيولوجيا، في جوهرها، ليست مجرد وصف للمجتمع، وإنما ممارسة نقدية تسعى إلى فهم ما يبدو عادياً وبديهياً، والكشف عن البنيات والعلاقات والمعاني التي تقف خلف الظواهر الاجتماعية.
وفي زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية، تزداد الحاجة إلى سوسيولوجيا قادرة على الجمع بين صرامة التحليل ومرونة التفكير، وبين دراسة المؤسسات والبنيات من جهة، وفهم الإنسان وتجاربه وتفاعلاته من جهة أخرى.
وبذلك يصبح المسار الذي يرسمه كريب من بارسونز إلى هابرماس أكثر من رحلة في تاريخ النظرية الاجتماعية؛ إنه رحلة فكرية تكشف كيف انتقل علم الاجتماع من البحث عن النظام والاستقرار إلى مساءلة الفعل والمعنى والتواصل، وكيف أصبح فهم المجتمع يتطلب الإصغاء في الوقت نفسه إلى قوة البنية وإبداع الفاعل، وإلى ما تقوله المؤسسات وما يصنعه الناس في حياتهم اليومية.

التعليقات مغلقة.