أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

جدل “طحن الورق”: بين الحصانة البرلمانية وسيف القضاء

الورق”: بين الحصانة البرلمانية وسيف القضاء

لا يزال الجدل السياسي والقانوني محتدماً حول التصريحات المثيرة التي أدلى بها النائب البرلماني أحمد التويزي، رئيس فريق حزب الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، بشأن ما وصفه بـ“طحن الورق مع الدقيق”، وهي العبارة التي أشعلت سجالاً واسعاً تحت قبة البرلمان وخارجها، وأعقبها قرار النيابة العامة فتح تحقيق قضائي في الموضوع.

القضية التي بدأت بتدخل برلماني خلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2026، تحوّلت سريعاً إلى ملف رأي عام، بعد أن فُسّرت تصريحات التويزي على أنها اتهامات مباشرة لبعض شركات المطاحن بالفساد واستنزاف أموال الدعم العمومي المخصص للقمح والدقيق الوطني، والتي بلغت — حسب ما قاله النائب — نحو 16.8 مليار درهم.

ورغم أن التويزي عاد بعد ساعات لتوضيح موقفه، مؤكداً أن حديثه كان “تعبيراً مجازياً” يقصد به التلاعب في الفواتير والوثائق وليس خلط مواد غير صالحة بالدقيق، فإن النيابة العامة بمحكمة الاستئناف بالرباط أعلنت عن فتح بحث قضائي في الموضوع، ما فتح الباب أمام تساؤلات دستورية حول حدود الحصانة البرلمانية في مثل هذه الحالات.

في هذا السياق، أوضح عبد الحفيظ اليونسي، أستاذ القانون الدستوري بجامعة الحسن الأول بسطات، في تصريح لجريدة «أصوات»، أن مقاربة هذه النازلة لا يمكن أن تتم إلا بعد معرفة ما إذا كان التحقيق القضائي يستهدف تصريحات البرلماني نفسها أم أنه موجه نحو الجهات التي طالتها الاتهامات.
وأضاف اليونسي:

“إذا كان البحث يتعلق بما قاله النائب من باب التبليغ عن شبهات فساد، فسيكون مجرد شاهد في القضية. أما إذا تعلق التحقيق بتصريحاته نفسها على اعتبارها نشر أخبار زائفة أو مسيئة، فإننا أمام نقاش دستوري حساس، لأن الحصانة البرلمانية لا تحمي صاحبها في هذه الحالة”.

ويستند الخبير الدستوري في تحليله إلى الفصل 64 من دستور 2011، الذي ينص على أن البرلماني لا يمكن متابعته أو محاكمته بسبب آرائه داخل البرلمان، إلا إذا تضمنت تصريحاته مساساً بالنظام الملكي أو بالدين الإسلامي أو بالاحترام الواجب للملك، أو كانت أخباراً كاذبة تمس النظام العام أو سمعة الأشخاص.

كما أشار اليونسي إلى أن النظام الداخلي لمجلس النواب يحمّل البرلمانيين مسؤولية أخلاقية واضحة، تلزمهم بـ“تحري الدقة والمصداقية” في تصريحاتهم ومواقفهم، مضيفاً أن “مدونة الأخلاقيات البرلمانية لا تقل أهمية عن مقتضيات الدستور في ضبط سلوك ممثلي الأمة”.

ويرى مراقبون أن هذه الواقعة تكشف عن منطقة رمادية بين حرية التعبير السياسي والمسؤولية القانونية، خاصة في ظل تزايد استعمال العبارات الساخنة والمجازية تحت قبة البرلمان، والتي قد تُفسر خارج سياقها وتؤدي إلى تأويلات تضع أصحابها أمام المساءلة القضائية.

من جهة أخرى، يُنتظر أن يثير الملف نقاشاً مؤسساتياً حول حدود الحصانة البرلمانية في المغرب، خصوصاً بعد الإصلاحات الدستورية لسنة 2011 التي قلّصت من نطاقها، وحصرتها في الحالات المرتبطة مباشرة بالمهام التشريعية، دون أن تشمل التصريحات التي قد يُنظر إليها كاتهامات أو نشر لمعطيات غير دقيقة.

في المحصلة، يبدو أن “قضية طحن الورق” قد تتحول إلى اختبار حقيقي للعلاقة بين السلطتين التشريعية والقضائية، وإلى محطة جديدة لإعادة التفكير في ضوابط الخطاب البرلماني في زمن الشفافية والمحاسبة

التعليقات مغلقة.