أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

حفل مثير يعيد النقاش حول حدود الاستضافة الثقافية بالمغرب

محمد عيدني فاس

أثار الإعلان عن تنظيم عرض فني كوميدي مرتقب لإحدى الفنانات الجزائريات، بمسرح محمد الخامس بالعاصمة الرباط، موجة واسعة من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي، تباينت فيها المواقف بين من اعتبر الأمر شأناً فنياً عادياً، ومن رأى فيه استفزازاً غير مقبول يمس كرامة المغاربة، خاصة النساء.
وتحوّل الخبر، في ظرف وجيز، إلى موضوع نقاش عام، بعدما استحضر عدد كبير من النشطاء تصريحات سابقة منسوبة للفنانة المعنية، اعتُبرت مسيئة للمغربيات، وأُدلي بها في سياقات إعلامية خارجية، ما فجّر حالة من الغضب والاستياء، ودفع إلى إطلاق دعوات واسعة لمقاطعة الحفل، بل والمطالبة بمنعه.
هذا الجدل لا ينفصل عن السياق الإقليمي والسياسي الحساس الذي تمر به العلاقات المغربية الجزائرية، حيث انعكست التوترات السياسية خلال السنوات الأخيرة على مجالات متعددة، من بينها الثقافة والفن، وهو ما جعل أي مبادرة فنية عابرة للحدود تُقرأ اليوم بعدسة سياسية ومجتمعية دقيقة.
وفي هذا الإطار، وُجهت انتقادات مباشرة للجهات المنظمة للحفل، متهمة إياها بعدم استحضار البعد الرمزي والثقافي لمثل هذه التظاهرات، وبالاستمرار في استضافة أسماء فنية أثارت الجدل بسبب مواقف أو تصريحات وُصفت بالعدائية تجاه المغرب والمغاربة.
ويرى منتقدو الحفل أن القضية لا تتعلق بحرية الإبداع كما يحاول البعض تصويرها، بل بسؤال أعمق يرتبط بمدى احترام الرموز والكرامة الجماعية، خصوصًا حين يتعلق الأمر بصورة المرأة المغربية، التي يرفض الشارع أن تكون مادة للسخرية أو التنميط في عروض تبحث عن الإثارة السهلة.
وفي مقابل ذلك، طرح فاعلون ثقافيون تساؤلات مشروعة حول جدوى استيراد عروض فنية مثيرة للانقسام، في وقت تزخر فيه الساحة الوطنية بطاقات إبداعية كوميدية ومسرحية قادرة على ملء القاعات وصناعة فرجة تحترم الذوق العام وتعكس غنى الثقافة المغربية.
كما أعاد هذا النقاش إلى الواجهة ملف تعامل بعض الفنانين الجزائريين مع الجمهور المغربي، حيث استحضر نشطاء حالات سابقة لفنانين استفادوا من الإقبال الجماهيري بالمغرب، قبل أن تصدر عنهم تصريحات مسيئة أو مواقف متناقضة، وهو ما اعتُبر استخفافًا بالجمهور وازدواجية في الخطاب.
وانتشرت، في خضم هذا الجدل، وسمات (هاشتاغات) تدعو إلى إعادة النظر في سياسة استضافة بعض الأسماء الفنية، وربط الانفتاح الثقافي بالاحترام المتبادل، وليس فقط بمنطق الربح أو الإثارة الإعلامية.
ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن حماية كرامة المواطن المغربي، نساءً ورجالاً، يجب أن تظل خطًا أحمر، وأن المسارح الوطنية ليست فضاءات محايدة تمامًا، بل رموز سيادية وثقافية ينبغي أن تُفتح لمن يحترم البلد وقيمه، لا لمن أساء إليه ثم عاد يطلب التصفيق.
كما قارن متابعون هذا الانفتاح الفني بما يواجهه المغاربة من قيود صارمة عند محاولة دخول الأراضي الجزائرية، سواء تعلق الأمر بفنانين أو رياضيين أو حتى بعثات إعلامية، معتبرين أن مبدأ المعاملة بالمثل يظل غائبًا في كثير من الحالات.
وفي ظل هذا التفاعل الواسع، يبقى السؤال مطروحًا:
هل يتعلق الأمر بحفل فني عادي، أم أن القضية أعمق وتمس الوعي الجمعي وحدود التسامح الثقافي؟
وإلى أي حد يمكن الفصل بين الفن والمواقف حين تتحول الإساءة إلى جرح مفتوح في الذاكرة الجماعية؟
أسئلة ستظل مطروحة بقوة، في انتظار ما ستسفر عنه مواقف الجهات المعنية، وما إذا كانت ستتعاطى مع الموضوع بمنطق الحرية المطلقة، أم بمنطق المسؤولية الثقافية وصون الكرامة الوطنية.

التعليقات مغلقة.