لم يعد خافياً أن السياسة الحديثة أصبحت تُمارَس بقدر كبير من خلف الشاشات، لكن ما كشفه التحقيق الاستقصائي الذي نشرته شبكة “أريج” يضعنا أمام مرآة أكثر قسوة مما كنّا نتصور. نحن أمام نموذج صارخ لكيف يمكن للأدوات الرقمية أن تتحول من مساحة للتواصل إلى جهاز ضخم لإنتاج الانطباعات، وإعادة تشكيل الوعي، وجرّ الرأي العام إلى حيث تريد جهات بعينها، بعيداً عن النقاش السياسي الطبيعي.
جوهر المشكلة ليس في وجود حسابات وهمية بقدر ما هو في طريقة استخدامها. فعندما تشتغل أكثر من 140 حساباً بنفس الإيقاع، وفي نفس اللحظة، وبنفس الأسلوب، فهذا لم يعد تعبيراً فردياً ولا مزاجاً شعبياً؛ بل أصبح جزءاً من منظومة تعمل على صناعة صورة سياسية، لا على قياس الحقيقة، بل على قياس الحاجة.
لقد قدّم التحقيق نموذجاً واضحاً: مقطع لعبد الإله بنكيران يُقطع من سياقه خلال انتخابات فاس الجزئية سنة 2024، ثم تنطلق حملة رقمية منسّقة لإشعال الجدل. هذا ليس نقاشاً ديمقراطياً؛ هذا هندسة للرأي العام. ثم نمرّ إلى الاحتجاجات: الأساتذة، طلبة الطب، كلهم وُضعوا في قالب “المتمردين” بتعليقات جاهزة، مكررة، تُفرَغ عليها نسخ–لصق، بهدف خلق انطباع اصطناعي بأن الشارع ضدهم. وفي النهاية نصل إلى الاقتصاد نفسه، حيث جرى الترويج لانخفاض في أسعار اللحوم لم تؤكده المعطيات الواقعية.
هذه ليست تفاصيل صغيرة. هذه صناعة رأي عام على المقاس.
الأخطر في الموضوع هو ما يسميه البعض اليوم “الشعبية الرقمية”. أمام ما كشفته “أريج”، يصبح السؤال مشروعاً:
هل الأرقام التي نراها—ملايين المشاهدات والتعليقات—تعكس حقيقة سياسية؟ أم أننا أمام فقاعة مصنوعة تعتمد على نشاط وهمي يلمّع طرفاً ويشوه آخر؟
وفي غياب قانون واضح يضبط هذا النوع من الممارسات، ومع ضعف تفاعل منصات التواصل أنفسها في مواجهة الأنشطة المنسّقة، فإن المسألة لم تعد مجرد “بروباغندا” عابرة، بل أصبحت مشكلة بنيوية تمس ثقة المواطن في مضمون ما يقرأه ويشاهده كل يوم.
إن كشف هذا العالم المظلم لا يسيء إلى أي جهة بقدر ما يضع أصبعه على جرح أعمق بكثير: نحن نعيش أزمة شفافية، وأزمة ثقة، وأزمة ممارسة سياسية ما زالت تؤمن بأن الصورة أهم من المضمون، وأن الانطباع أهم من الإنجاز، وأن الشعبية تُشترى بالذباب الإلكتروني بدل أن تُكتسب عبر العمل.
السياسة، لكي تكون سياسية بالفعل، تحتاج إلى ضوء النهار لا إلى غرف معتمة تتحكم في الذوق العام.
والمشهد السياسي المغربي اليوم بحاجة ماسة إلى نقاش وطني صريح حول حماية الفضاء الرقمي من أن يتحول إلى مسرح لإدارة المعارك بطرق ملتوية.
لأن السؤال لم يعد: من يملك القدرة على التأثير؟
بل أصبح: من يملك الحقيقة؟
وفي عالم تُصنع فيه الحقيقة بضغطة زر، يصبح الصمت تواطؤاً، والمطالبة بالشفافية واجباً ديمقراطياً.

التعليقات مغلقة.