يبدو أن “دورة الوفاء من الريف إلى الصحراء” التي اختار حزب السنبلة محطتها هذه المرة في الحسيمة، تحمل من المفارقات أكثر مما تحمله من رسائل. فالحزب الذي يترأس المجلس البلدي للحسيمة منذ سنوات، قرر أن يجعل المدينة مسرحا لدورته الوطنية، رغم أن المدينة نفسها ما تزال تبحث عمن يسيرها.
فالحسيمة، بكل رمزيتها التاريخية وثقلها السياسي، تقاد اليوم بأيد مرتجفة.مدينة تبحث عن رئيس مجلس لا يظهر إلا لماما، وعن أغلبية لا تعرف إن كانت تقود أم تنتظر من يقودها . تائهة لا تدري أين تقف، ولا إلى أين تتجه، أما الجماعة، فقد باتت مؤسسة بلا رؤية، بلا حضور، وبلا أثر. أشبه بمكتب فارغ تقلب فيه الأوراق لتبرير غياب الفعل.بينما تفتح أبوابها واسعة امام كل أشكال التسيب والفوضى، والارتجال، والعشوائية، وصنوف الريع.
حقا لا شيء يلخص مفارقات المشهد السياسي أكثر من قرار الحزب تنظيم “دورة الوفاء من الريف إلى الصحراء” في مدينة الحسيمة بالذات لتتحول فجأة إلى منصة لخطابات “الحكامة” و”الفعالية” و”النقد لأجل النقد ”.
ومع أن الحسيمة اليوم تبدو مثل مؤسسة جماعية تعمل على وضعية الطيار الآلي… دون طيار أصلا، قرر الحزب أن يحتفل بها كأنها قصة نجاح تستحق التصدير.ونموذج يحتفى بها، لا مدينة تشتكي الإهمال .
لكن السخرية تبلغ ذروتها عندما يقف الأمين العام للحزب وسط هذه المدينة “الضائعة”، ويرفع صوته بانتقاد الحكومة، وكأنه نسِي أو تناسى أن وراءه مباشرة مثالا حيا على فشل حزبه في التسيير.
والطريف—أو المؤلم بسخرية—أن الأمين العام لم يجد أفضل من هذه المدينة بالذات ليطلق منها انتقاداته للحكومة، وكأن مشاكل الوطن تبدأ وتنتهي خارج الحسيمة… وكأن الجماعة التي يسيرها حزبه ليست جزءا من هذا الوطن أصلا !و كان الأجدر به، على الأقل، أن يبدأ بنقد تجربة حزبه في تسيير المدينة، قبل أن يطلق عنان لسانه بعنجهيته المألوفة، فالدروس الحقيقية تعطى بالأمثلة، لا بالشعارات.
وهكذا تحولت الحسيمة، وللمرة الألف، من مدينة تبحث عن حلول، إلى منصة لإرسال الرسائل السياسية، رسائل لا يجد فيها المواطن الحسيمي شيئا عن إنارة شارع، أو إصلاح طريق، أو تحسين خدمة… بل فقط عناوين كبيرة تلقى في الهواء، ثم تترك لتتبخر.
اما دورة الوفاء؟….
فقد تكون وفاء للشعارات… أما المدينة، فما زالت تنتظر من يتذكرها، فلم ير أهل الحسيمة منها سوى وفاء للإخفاق، وليس للمدينة التي تسائل اليوم زعيم الحزب : أجئت تخطب فينا… أم لتحتفي بالشعارات فوق مدينة أنهكها الإهمال والتسيب، لترقص انت ومجلسك الوطني فوق ما خلفه تسيير حزبكم من خراب؟”

التعليقات مغلقة.