شهد عام 2025 تحولات لافتة في المشهد البحري واللوجستي للمملكة المغربية، عكست طموحًا استراتيجيًا واضحًا لتعزيز مكانتها الاقتصادية والإقليمية والدولية. فقد واصل المغرب تنزيل استراتيجيته المينائية باعتبارها إحدى أقوى أدوات تعزيز السيادة الاقتصادية والتموقع الجيو-استراتيجي، مع هدف معلن يتمثل في الارتقاء إلى مصاف الدول الرائدة عالميًا في مجال الموانئ واللوجستيك في أفق سنة 2030.
وفي هذا السياق، برز التوجه نحو الاستثمار في الأصول الخارجية كخيار استراتيجي جديد، تجسده صفقة استحواذ شركة مرسى المغرب (Marsa Maroc) على 45% من رأسمال شركة Boluda Maritime Terminals (BMT)، التابعة للمجموعة الإسبانية الرائدة في مجال الشحن وإدارة المحطات البحرية، مقابل 80 مليون يورو، في انتظار استكمال الموافقات التنظيمية. ويُنظر إلى هذا التحالف المغربي-الإسباني باعتباره دفعة قوية للممر البحري بين ضفتي مضيق جبل طارق، ورافعة لخلق تآزر تجاري ولوجستي يخدم مصالح البلدين.
يواصل ميناء طنجة المتوسط لعب دور محوري في صعود النفوذ البحري المغربي داخل حوض البحر الأبيض المتوسط، خاصة في مجال نقل المنتجات الزراعية والغذائية ذات القيمة التجارية العالية. فقد أصبح الميناء منصة أساسية في تعزيز ممرات التجارة العالمية، وربط سلاسل الإمداد بين أوروبا وشمال إفريقيا، مستفيدًا من موقعه الاستراتيجي وشبكة الربط البحري الواسعة التي يتمتع بها.
وفي هذا الإطار، أعلنت كل من مجموعة Suardiaz Group ومجموعة Grupo Transonuba (GTO) عن إطلاق خدمة شحن منتظمة بدون مرافقة بين ميناء هويلفا الإسباني وطنجة المتوسط، بقدرة استيعابية متنوعة تشمل البضائع المبردة وبضائع المنظمة البحرية الدولية (IMO)، مع تردد عالٍ يعزز انسيابية
كما شهدت حركة نقل الركاب والبضائع عبر المضيق تطورًا نوعيًا، مع دخول شركة Baleària إلى خط طريفة–طنجة، عبر تشغيل عبّارة سريعة عززت بها حضورها في السوق المغربي-الإسباني. ولم يقتصر هذا التطور على الجانب التجاري فقط، بل شمل أيضًا البعد البيئي، إذ التزمت الشركة ببناء عبارتين سريعتين تعملان بالكهرباء بنسبة 100%، من المرتقب دخولهما الخدمة سنة 2027.
ويأتي هذا المشروع في إطار رؤية طموحة لتحويل خط طريفة–طنجة إلى أول “ممر أخضر” بحري بين إسبانيا والمغرب، يشمل تجهيزات متقدمة للبنية التحتية الكهربائية والشحن السريع في كلا الميناءين، بما ينسجم مع متطلبات الانتقال الطاقي والاستدامة البيئية.
التحول الذي تعرفه الموانئ المغربية جعلها مركز جذب لكبرى شركات الشحن العالمية. ففي هذا الصدد، أعلنت مجموعة CMA CGM، ثالث أكبر شركة شحن بحري في العالم، عن إطلاق خدمة نقل بحري قصيرة أسبوعية تربط بين صفاقس وطنجة وفالنسيا، مخصصة للبضائع الجافة والمبردة، بهدف تسهيل نقل السلع القابلة للتلف داخل حاويات مبردة.
وتعتمد هذه الخدمة على سفينتين بسعة تقارب 800 حاوية نمطية، مع ربط مباشر بالشبكة العالمية للمجموعة الفرنسية، ما يعزز دور طنجة المتوسط كمحور أساسي يربط إفريقيا الغربية والأمريكتين وأوروبا.
ويأتي هذا التطور في أعقاب توقيع اتفاقية بين CMA Terminals ومرسى المغرب لتشغيل محطة الحاويات الغربية بميناء الناظور غرب المتوسط، في إطار مشروع مشترك بنسبة 51% لمرسى المغرب و49% لـCMA Terminals، انسجامًا مع الاتفاقية الإطارية الموقعة في أكتوبر 2024 بين مجموعة طنجة المتوسط وCMA CGM.
وفي الاتجاه ذاته، أعلن ميناء قادس الإسباني عن استئناف حركة النقل البحري مع المغرب عبر خدمة حاويات منتظمة تشغلها شركة “تايلويند” للشحن، وتشمل ميناء الدار البيضاء ضمن مسارها.
كما دخلت الشركة اليابانية Ocean Network Express (ONE)، سادس أكبر شركة شحن في العالم، على خط الربط البحري عبر إطلاق خدمة إسبانيا–البرتغال–المغرب (SPM)، بهدف توفير تغطية إقليمية أوسع واتصال عالمي أفضل لزبنائها. وتندرج هذه الخطوة ضمن استراتيجية ONE 2030، التي تسعى من خلالها الشركة إلى بلوغ أسطول قوامه 3 ملايين حاوية نمطية.
لمواكبة هذا الزخم المتصاعد واستغلال الفرص التي يتيحها الاقتصاد العالمي، يراهن المغرب على بناء أسطول وطني قوي وتنافسي من السفن التجارية، بما يضمن ربطًا سلسًا ومستدامًا مع إفريقيا وباقي مناطق العالم. كما يسعى إلى استغلال فضاءاته البحرية وفق منطق الشراكة والتكامل، باعتبارها رافعة استراتيجية لتعزيز الجاذبية الاقتصادية للمملكة.
.

التعليقات مغلقة.