شهدت الأيام الأخيرة موجة من المواقف الجريئة صادرة عن عدد من الدول الأوروبية تجاه العدوان الإسرائيلي على غزة، في وقت يثير فيه الصمت العربي الرسمي الكثير من علامات الاستفهام. فقد أعلنت إسبانيا خطوات سياسية مساندة للشعب الفلسطيني، كسرت جدار التواطؤ الغربي وأعادت إلى الساحة صوت العدالة. وفي إيطاليا، تجاوز التضامن حدود البيانات ليترجم إلى إضراب عام شل قطاعات حيوية، فيما اختارت إيرلندا وعدد من الدول الأخرى أن تضع الضمير الإنساني فوق الحسابات الضيقة والمصالح العابرة.
في المقابل، تبدو المواقف الرسمية العربية والإسلامية خجولة، إن لم نقل صامتة. بيانات مقتضبة أو وساطات شكلية لم تغيّر من واقع المأساة شيئاً، بينما تتواصل صور الأطفال تحت الأنقاض ومدينة غزة تُمحى من خرائط العمران. بعض الأنظمة ذهبت أبعد من الصمت إلى مواقف رمادية أو تبريرية، في مشهد يثير تساؤلات حول جدوى شعارات “الوحدة” و”القضية المركزية” التي رُفعت لعقود.
المفارقة المؤلمة أن المواطن العربي يتابع أخبار المظاهرات في شوارع مدريد وروما ودبلن أكثر مما يسمع عن مبادرات من عواصم عربية كبرى. وهو ما يعكس خللاً أخلاقياً عميقاً في النظام الرسمي العربي والإسلامي، ويؤشر إلى فجوة متزايدة بين الشارع الذي لا يزال ينبض بقوة في احتجاجاته، والسلطة التي تفضل الحسابات السياسية الضيقة على واجب الانتصار لقضية عادلة.
لقد أثبتت بعض الدول الأوروبية أن المواقف الأخلاقية ممكنة حتى في زمن المصالح، وأن كلمة الحق حين تُقال بصدق يمكن أن تصنع صدى سياسياً مؤثراً. في المقابل، يظهر النظام الرسمي العربي عاجزاً عن اقتناص اللحظة التاريخية، حتى وهو يرى الدم الفلسطيني يلطخ شاشات العالم.
الدرس واضح: غزة اليوم لم تعد مجرد مدينة محاصرة، بل تحولت إلى معيار أخلاقي وإنساني يحدد موقع كل دولة بين الضمير والخذلان. فمن يساندها يكتب اسمه في سجل التاريخ، ومن يلوذ بالصمت أو التواطؤ يضع نفسه على الجانب المظلم من الإنسانية.
التعليقات مغلقة.